المحامي يوسف الخضوري | استشارات قانونية

التفتيش القضائي

التعويض عن الضرر في القانون العماني وحماية الطفل من حوادث المقاولات

صرخة حقوقية لحماية الطفولة: عندما يتنصل المقاول من المسؤولية وتتقاعس الجهات الرقابية عن المحاسبة

مقدمة: العدالة لا تُحفظ والمبادئ لا تتجزأ إن الغاية الأسمى من وجود القوانين والمؤسسات القضائية والرقابية في أي دولة تسعى لترسيخ مفهوم دولة المؤسسات والقانون، هي حماية الأرواح، وصون الحقوق، وضمان عدم إفلات المقصرين من العقاب. ولكن، عندما تصبح خطوط الدفاع الأولى عن المجتمع وأضعف حلقاته -وهم الأطفال- ثغرةً يتسلل منها الإهمال والتقصير دون حساب، فإن الأمر يتطلب وقفة حازمة ومراجعة علنية واضحة لإجراءات سلطات التحقيق والجهات الرقابية. إن حوادث سقوط الأطفال القصر نتيجة مخلفات البناء التي يتركها مقاول مستهتر، وتتواطأ معها جهة بلدية متقاعسة لا تطبق سلطتها الرقابية والضبطية رغم البلاغات المسبقة، لتنتهي فصولها أحياناً بصدور قرار بـ “حفظ الشكوى”، تمثل نموذجاً يتطلب النقاش القانوني الصارم؛ تجنباً للإجحاف بحق الطفولة، ومنعاً لهدر التعويض عن الضرر في القانون العماني الذي كفلته التشريعات لكل من أصابه ضرر مادي أو معنوي نتيجة الخطأ والتقصير. أولاً: أركان المسؤولية التقصيرية والإدارية في حوادث الإنشاءات تتلخص وقائع هذا النوع من القضايا في سلسلة من الإهمال المتراكم؛ حيث يعمد بعض مقاولي البناء إلى وضع مخلفات إنشائية خطرة بالقرب من منازل المواطنين أو في الأحياء السكنية المأهولة. وأمام هذا الخطر الداهم، يتحرك أولياء الأمور من منطلق المواطنة الصالحة والحرص على السلامة العامة لتقديم بلاغات مسبقة إلى البلديات المختصة لإزالة هذه المخلفات. ورغم قيام الجهات البلدية في كثير من الأحيان بإصدار إقرارات رسمية بمخالفة المقاول بناءً على البلاغات المسبقة، إلا أن الإجراء يظل في بعض الأحيان مجرد حبر على ورق، ولا يتبعه تحرك فعلي لإلزام المقاول بإزالة المخالفة على الفور أو إزالتها على نفقته لمنع الخطر. هذا التراخي الإداري من قِبل الموظف العام المسؤول في الجهة الرقابية يتسبب مباشرة في وقوع الكارثة، حيث يسقط الطفل القاصر وسط تلك المخلفات، وينتهي به المطاف في المستشفيات المرجعية كمستشفى خولة لتلقي العلاج من إصابات بالغة. إن هذا التسلسل يثبت بما لا يدع مجالاً للشك وجود خطأ مشترك وعلاقة سببية مباشرة بين فعل المقاول (الذي ترك المخلفات) وتقاعس الموظف العام (الذي لم ينفذ سلطة الإزالة الجبرية بعد المخالفة). وهي أركان مكتملة تفرز مسؤولية تقصيرية تستوجب المحاسبة الجزائية والمدنية، ولا يمكن بحال من الأحوال إدراجها تحت بند القوة القاهرة في القانون العماني، فالخطر كان معلوماً ومبلغاً عنه ولم يكن حادثاً فجائياً لا يمكن توقعه أو تداركه. ثانياً: إشكالية قرارات حفظ الشكوى وصدمة الضمير القانوني إن صدور قرار من جهات التحقيق بحفظ الشكاوى الموجهة ضد مقاولي البناء أو ضد الموظفين العموميين المتراخين، رغم تكامل الأدلة والقرائن، يمثل معضلة حقيقية أمام المبادئ المستقرة في العدالة الجنائية. وتتجلى هذه الصدمة القانونية عندما يتضمن الملف أدلة دامغة لا تقبل الشك، ومن أبرزها: صدور مخالفات رسمية لاحقة من الجهة البلدية ضد المقاول: إن قيام البلدية بتحرير مخالفة رسمية وثابتة ضد المقاول بسبب تلك المخلفات الإنشائية -حتى وإن جاءت بعد وقوع حادثة سقوط الطفل- يُعد إقراراً رسمياً قاطعاً بوجود فعل مادي مخالف للأنظمة، ويثبت وجود خطر قائم تسبب في الضرر، مما ينفي أي مجال لاعتبار الأمر مجرد حادث عارض. إغفال السماع لشهود العيان (إهدار الدليل القولي): إن من أشد الثغرات الإجرائية غرابة في بعض تحقيقات حوادث القصر، هو عدم استدعاء أو سماع شهادة شاهد العيان المرافق للطفل أثناء لحظة السقوط. إن إغفال استدعاء الشاهد الذي عاين الواقعة بصفة مباشرة يُعد إهداراً لـ “الدليل القولي” الجوهري في القضية، وتفريطاً في ركن أساسي من أركان استجلاء الحقيقة ومعرفة كيفية وقوع الضرر وعلاقته السببية بالمخلفات المتروكة. كيف يُحفظ إذن بلاغ يمس سلامة جسد طفل قاصر في ظل وجود تقارير طبية رسمية، ومخالفة بلدية مسجلة ضد المقاول، وشاهد عيان رافق الضحية ولم يُستدعَ لسماع أقواله؟ وهل يصح التوسع في السلطة التقديرية لعضو النيابة العامة بما يبيح التغاضي عن هذه الأدلة القاطعة والقرائن الجلية؟ إن قرارات الحفظ في مثل هذه الحالات الصارخة، والتي تتجاهل مستندات رسمية صادرة من جهات حكومية (كالبلديات والمستشفيات المرجعية) وتغفل سماع الشهود، تشكل خطراً حقيقياً على السلم المجتمعي؛ كونها تُعطي إشارة سلبية ومطمئنة للمقاولين المستهترين وللموظفين المتخاذلين بأن أرواح الناس وسلامة الأطفال يمكن أن تمر دون مساءلة جزائية تحت وطأة قرارات الحفظ الإداري. لذلك، فإن تفعيل الرقابة القضائية الصارمة على هذه القرارات، والتمسك بحق التظلم القانوني لإعادة فتح الملف واستدعاء الشهود، هو واجب وطني وقانوني أصيل لحماية الطفولة وصون المجتمع. ثالثاً: دور التفتيش القضائي في ردع التجاوزات الإجرائية أمام هذه التوجهات السلبية التي قد تظهر في بعض أروقة التحقيق، يبرز الدور العظيم لجهاز التفتيش القضائي بالنيابة العامة. إن الأمانة الملقاة على عاتق جهاز التفتيش القضائي تتطلب اتخاذ إجراءات صارمة وحاسمة في حال تبيّن أن هناك عضواً لم يقم بالإجراءات القانونية الصحيحة، أو قرر حفظ شكوى دون مراعاة للأدلة القاطعة والاعترافات الرسمية. إن التفتيش القضائي هو صمام الأمان الذي يمنع إغفال المستندات أو التكييف الخاطئ للوقائع الذي يترتب عليه ضياع الحقوق. وعندما يثبت تقاعس أي عضو عن أداء واجبه في حماية الطفولة، أو تقاعس الموظف العام في البلدية عن أداء واجبه الرقابي، فإن تفعيل المساءلة المسلكية والرقابية يصبح فرضاً قانونياً لإعادة الأمور إلى نصابها وصيانة هيبة المنظومة القضائية والرقابية في البلاد. رابعاً: سلطنة عمان والالتزامات الدولية لحقوق الطفل لا يمكن عزل قضايا إهمال المقاولين وحوادث الأطفال عن السياق الدولي والالتزامات القانونية التي رتبتها سلطنة عمان على نفسها. إن سلطنة عمان تُعد من الدول السباقة والموقعة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، ولديها تشريعات وطنية متطورة متمثلة في قانون الطفل العماني، واللجان والدوائر المتخصصة في قضايا الأسرة والطفل. إن معنى أن تكون الدولة عضواً في هذه الاتفاقيات الدولية ليس مجرد توقيع بروتوكولي، بل هو التزام قانوني وأخلاقي بتهيئة بيئة آمنة للطفل وحمايته من كافة أشكال الإهمال أو الأخطار التي تهدد حياته أو سلامته الجسدية. وعندما يضيع حق طفل سقط ضحية لإهمال مقاول أو تقاعس جهة إدارية، فإن الأمر يتجاوز حدود القضية الفردية ليضع التزاماتنا الدولية على المحك؛ لذا يجب أن تتناغم ممارسات سلطات التحقيق محلياً مع المبادئ العظمى التي التزمت بها السلطنة دولياً. خامساً: تفعيل التوجهات السامية لجلالة السلطان المعظم إن أي مسلك متراخٍ من قِبل الموظفين العموميين أو جهات التحقيق لا يشكل مجرد مخالفة لنصوص قانونية جامدة، بل يمثل حيداً صريحاً عن التوجهات السامية لـ والدنا وقائدنا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-. لقد أمر جلالة السلطان المعظم في أكثر من محفل بصيانة حقوق الطفل، والحفاظ عليه، وتوفير الرعاية الأسرية والاجتماعية والصحية والبيئية الآمنة ليكون الطفل لبنة قوية وعضواً فاعلاً في بناء عمان المستقبل ورؤيتها الطموحة “عمان 2040”. إن الإهمال الذي يتسبب في إلحاق الضرر بالقصر، ثم إغلاق الملفات وحفظ الشكاوى وكأن شيئاً لم يكن، هو ارتكاب لخطأ جسيم يتعارض بوضوح مع هذه التوجهات السامية، ويعد

صرخة حقوقية لحماية الطفولة: عندما يتنصل المقاول من المسؤولية وتتقاعس الجهات الرقابية عن المحاسبة قراءة المزيد »

ضمانات التحقيق في قضايا إيذاء الأطفال وحفظ الشكوى لدى النيابة العامة العماني.

الرقابة القضائية وحقوق الطفل: ضمانات التحقيق وخطورة حفظ الشكوى في قضايا الإيذاء بالخطأ

مقدمة: تولي سلطنة عمان اهتماماً بالغاً بحماية حقوق الإنسان، وعلى رأسها حقوق الطفل، باعتبارها التزاماً وطنياً ودولياً بموجب اتفاقية حقوق الطفل العالمية. إلا أن تفعيل هذه الحماية لا يتوقف عند النصوص التشريعية فحسب، بل يمتد إلى العدالة الإجرائية التي تبدأ من عتبة النيابة العامة. إن الإخلال بمجريات التحقيق، كالتفات المحقق عن سماع الشهود أو تجاهل القرائن الدامغة، لا يعد مجرد خطأ إجرائي بسيط، بل هو مساس مباشر بجوهر سيادة القانون، خاصة وأن قانون الجزاء العماني شدد العقوبة في قضايا الإيذاء بالخطأ؛ حيث نصت المادة (312) على أنه: “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن (10) عشرة أيام، ولا تزيد على (3) ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تقل عن (100) مائة ريال عماني، ولا تزيد على (300) ثلاثمائة ريال عماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تسبب خطأ في إيذاء شخص إذا لم ينتج عن الإيذاء مرض أو تعطيل عن العمل تزيد مدته على (30) ثلاثين يوماً. وتكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن (3) ثلاثة أشهر، ولا تزيد على (6) ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن (100) مائة ريال عماني، ولا تزيد على (500) خمسمائة ريال عماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا كان المرض أو التعطيل لمدة تزيد على (30) ثلاثين يوماً”.   تكييف الواقعة: جريمة الإيذاء بالخطأ في قانون الجزاء العماني عند وقوع حادثة مثل سقوط طفل في مخلفات بناء ناتجة عن إهمال مقاول، نكون أمام جريمة الإيذاء بالخطأ. وقد نصت المادة 312 من قانون الجزاء العماني على معاقبة كل من تسبب في جرح شخص أو إيذائه بالخطأ نتيجة إهماله أو رعونته أو عدم انتباهه أو عدم مراعاته للقوانين والأنظمة. في هذه الحالة، وجود مخالفة من البلدية ضد المقاول يعتبر دليلاً مادياً على عدم مراعاة الأنظمة، مما ينقل الواقعة من مجرد حادث عرضي إلى جريمة جنائية تستوجب العقاب والملاحقة القانونية. رابط ذي صلة: للمزيد حول التكييف الجنائي للجرائم، يمكنك الاطلاع على مقالنا حول إساءة الأمانة في القانون العماني عبر الرابط التالي إساءة-الأمانة “للحصول على رؤية أعمق، يمكنك قراءة تحليلنا حول: حماية الكيان العدلي: الرقابة القضائية كضمانة لسيادة القانون في سلطنة عمان.” الإخلال بواجب التحقيق: الالتفات عن شهادة الشهود يعتبر التحقيق الابتدائي هو العمود الفقري للدعوى العمومية. فإذا ذكر قرار الحفظ وجود شاهد ولم يتم سماع أقواله، فإننا أمام قصور واضح في التحقيق يبطل القرار. فقد أوجب قانون الإجراءات الجزائية على عضو النيابة العامة سماع الشهود الذين يطلب الخصوم سماعهم، والالتفات عن شاهد حاضر ومثبت في الأوراق يعد إخلالاً بحق الدفاع وإهداراً لقرينة قوية كانت كفيلة بتغيير وجه الرأي في الشكوى برمتها. القرائن القاطعة ومسؤولية الجهات الرقابية مثل بلدية مسقط في هذا المثال، تبرز ثلاث قرائن قاطعة بوجود الجريمة، أولها مخالفة البلدية الصادرة ضد المقاول لإهماله وضع المخلفات بجوار منزل سكني وهو إقرار رسمي بوجود الخطأ. وثانيها تقاعس الموظف العام عن التحرك إلا بعد وقوع الكارثة، مما يفتح باب التساؤل حول الإهمال الإداري. وثالثها تناقض تقرير الحفظ الذي اعترف بوجود شاهد مع عدم سماعه، وهو تناقض يسقط شرعية القرار القانونية. حقوق الطفل بين التشريع الوطني والاتفاقيات الدولية إن حفظ شكوى تتعلق بسلامة طفل دون استنفاد طرق التحقيق يضعنا أمام مواجهة مع التزامات السلطنة الدولية، حيث تنص اتفاقية حقوق الطفل على أن تكون مصالح الطفل الفضلى هي الأساس في جميع الإجراءات القضائية والإدارية. كما أن قانون الطفل العماني أكد على توفير الحماية الكاملة من كافة أشكال الإهمال، والتقصير في التمحيص في هذه القضايا قد يمتد أثره إلى تقارير المنظمات الدولية. رابط ذي صلة: تواصل معنا عبر صفحة تقديم شكوى النيابة العامة لضمان حماية حقوقكم القانونية عبر الرابط التالي تقديم-شكوى-الادعاء-عام التظلم من قرار الحفظ: الطريق نحو العدالة لا يعد قرار الحفظ الصادر من النيابة العامة نهاية المطاف، فقد رسم قانون الإجراءات الجزائية طريقاً للتظلم أمام محكمة الجنايات في غرفة المشورة للطعن في قرار الحفظ، أو طلب إعادة فتح التحقيق عند ظهور أدلة جديدة مثل سماع الشاهد الذي تم الالتفات عنه سابقاً. إن واجب المحامي هنا هو تسليط الضوء على الاختلال الجوهري في التحقيق وإثبات أن النيابة العامة لم يستنفذ جميع الوسائل المتاحة للوصول إلى الحقيقة.  الأسئلة الشائعة (FAQ): سؤال: هل يجوز التظلم من قرار حفظ الشكوى الصادر من النيابة العامة؟ جواب: نعم، أجاز قانون الإجراءات الجزائية العماني للمجني عليه التظلم من قرار الحفظ أمام محكمة الجنايات المنعقدة في غرفة المشورة خلال المواعيد المحددة قانوناً. سؤال: ماذا أفعل إذا رفض المحقق سماع شهادة الشهود في قضية إيذاء طفل؟ جواب: الالتفات عن سماع الشهود المثبتين في الأوراق يعد إخلالاً بضمانات التحقيق، ويحق لك التمسك بطلب سماعهم في التظلم، حيث أن استنفاد طرق التحقيق واجب قانوني خاصة في قضايا الطفل. سؤال: هل تعتبر مخالفة البلدية للمقاول دليلاً كافياً لإثبات جريمة الإيذاء بالخطأ؟ جواب: تعتبر مخالفة البلدية قرينة قوية تدعم وجود الإهمال والرعونة، وهي تساند تقرير النيابة العامة كدليل مادي يثبت العلاقة بين إهمال المقاول والضرر الذي لحق بالطفل. اقرأ مقالاتنا ذات صلة عبر الروابط التالية: إجراءات التظلم: إجراءات التظلم من قرار حفظ القضية لدى النيابة العامة في القانون العماني الثقافة القانونية: المشتكي الواعي: متى وكيف تبدأ في تقديم شكوى للادعاء العام العماني؟ دليل الشكاوى: تقديم شكوى للادعاء العام العماني: دليلك للإجراءات القانونية الصحيحة خاتمة: نحو رقابة قضائية فاعلة إن حماية الكيان العدلي في سلطنة عمان تبدأ من ضمان أن كل شكوى، لاسيما تلك المتعلقة بسلامة الأطفال، تخضع للتمحيص الكافي. إن حفظ الشكوى دون سماع الشهود أو فحص قرائن البلدية هو تعطيل لمرفق العدالة. نحن في مكتب المحامي يوسف الخضوري نؤمن بأن سيادة القانون تتحقق بالتمسك بأدق التفاصيل الإجرائية، وضمان استنفاد كافة طرق التحقيق الجنائي.  

الرقابة القضائية وحقوق الطفل: ضمانات التحقيق وخطورة حفظ الشكوى في قضايا الإيذاء بالخطأ قراءة المزيد »

حماية الكيان العدلي: الرقابة القضائية كضمانة لسيادة القانون في سلطنة عمان

مقدمة: تعتبر منظومة العدالة في سلطنة عمان أحد الأركان الأساسية التي قامت عليها النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-. إن الرؤية الحكيمة لجلالته وضعت “الإنسان” وحقوقه في المقام الأول، وهو ما يتطلب جهازاً قضائياً يتسم بالكفاءة والنزاهة والرقابة الذاتية المستمرة. ومن هنا، يبرز المجلس الأعلى للقضاء: قرار رقم ٤١١ / ٢٠٢٤ بإصدار لائحة التفتيش القضائي على أعمال القضاة وأعضاء النيابة العامة كوثيقة تاريخية تعيد رسم خارطة المحاسبة والتقويم لضمان عدم ضياع الحقوق خلف أبواب الإجراءات المعقدة.   التفتيش القضائي: أكثر من مجرد رقابة إدارية إن التفتيش القضائي، بموجب اللائحة الجديدة، لم يعد مجرد جهة لتقييم الدرجات الوظيفية، بل أصبح “عين العدالة” التي تلاحق أي قصور فني أو مسلكي. فالفصل السادس من اللائحة، وتحديداً المادة (37)، فتحت الباب على مصراعيه لضمان حق المتقاضي في التظلم، حيث نصت على أن: “تحال إلى الإدارة جميع الشكاوى التي تقدم ضد القاضي أو عضو النيابة العامة عن عمله، وواجبات وظيفته، ومسلكه داخل العمل أو خارجه”. هذه المادة تمثل ذروة الشفافية؛ فهي لا تحمي المتقاضي فحسب، بل تحمي كيان الدولة من أي ممارسات فردية قد تضع الحكومة الرشيدة في مواقف محرجة أمام المنظمات الدولية والحقوقية التي تعد السلطنة عضواً فاعلاً وملتزماً فيها. المثال الرمزي: عندما يتصادم “قرار الحفظ” مع “الحق الجلي” لنفهم أهمية تفعيل دور التفتيش القضائي، يجب أن نستعرض “مثلاً افتراضياً” يجسد الحاجة للرقابة. تخيل واقعة يسقط فيها طفل في مخلفات بناء تابعة لمشروع إنشائي، مما يسفر عن إصابات جسدية جسيمة. في هذا المثال، تتوفر كافة الأدلة: دليل مادي: محضر رسمي من البلدية يثبت مخالفة المقاول لعدم وضعه سياجاً حامياً. دليل بشري: وجود شاهد عيان كان حاضراً لحظة السقوط ومستعد للإدلاء بشهادته. “إن التقصير في وضع سياج حامٍ حول مخلفات البناء يعد مخالفة جسيمة تندرج ضمن قضايا حماية المستهلك عمان التي يجب الحزم فيها.” “وعندما يتم حفظ الشكوى رغم وجود أدلة، يحق للمتضرر البدء في إجراءات التظلم من هذا القرار.” إذا انتهى التحقيق في هذا المثال إلى “حفظ الشكوى لعدم كفاية الدليل”، فإننا أمام علامة استفهام كبرى. هنا يأتي دور التفتيش القضائي ليتساءل: لماذا لم تُسمع شهادة الشاهد؟ ولماذا أُغفل التقرير الرقابي الصادر من البلدية؟ إن حفظ الشكوى في ظل وجود أدلة دامغة ليس مجرد وجهة نظر قانونية، بل هو “انتهاك صارخ” يتطلب تحرك الإدارة العامة للتفتيش القضائي لضمان أن عضو النيابة العامة قد قام بواجباته المهنية دون تقصير. “إن إغفال الأدلة الدامغة قد يضعنا أمام تساؤلات حول إساءة الأمانة في القانون العماني فيما يخص الواجبات الوظيفية والرقابة القضائية.” أثر القصور في التحقيق على مكانة الدولة سلطنة عمان تحت مجهر المؤسسات الحقوقية العالمية، والالتزام بـ حقوق الطفل هو التزام أخلاقي وقانوني ودولي. إن أي تهاون في حماية حقوق الأطفال -حتى لو كان ناتجاً عن خطأ إجرائي فردي- قد يُفسر على أنه خلل في منظومة الحماية العامة. لذا، فإن وقوفنا بجانب جلالة السلطان -أعزه الله- يقتضي منا كقانونيين ومسؤولين التنبيه لخطورة هذه “الهفوات” التي قد تمس كيان الدولة بالكامل. العدالة ليست فقط في “النطق بالحكم”، بل في “سلامة التحقيق” و”استنفاد سبل الإثبات”. وإغلاق ملفات القضايا التي تمس سلامة الإنسان دون تمحيص دقيق هو أمر لا يمكن تجاوزه في ظل لائحة التفتيش الجديدة. آليات الرقابة التقنية والشفافية لقد وفرت المادة (37) والمادة (45) من اللائحة نظاماً إلكترونياً يخول الإدارة نقل وتبادل البيانات، مما يعني أن “المفتش القضائي” أصبح بإمكانه الاطلاع على ملف القضية وسير التحقيق عن بُعد. هذا التطور التقني يقطع الطريق على أي محاولات لتعطيل العدالة أو إخفاء القصور الإداري.  أسئلة حول إجراءات التقاضي والنيابة العامة 1. كيف يمكنني التظلم من قرار حفظ الشكوى الصادر من النيابة العامة؟ الإجابة: يتم التظلم أمام محكمة الاستئناف المختصة (دائرة الجنايات) منعقدة في غرفة المشورة خلال المدة القانونية المقررة (غالباً عشرة أيام من تاريخ الإعلان بالقرار). يجب تقديم التظلم مشفوعاً بالأدلة والقرائن التي تُثبت وجود قصور في قرار الحفظ أو ظهور أدلة جديدة لم تُعرض سابقاً. 2. ما هو دور التفتيش القضائي في حال وجود إهمال في التحقيق؟ الإجابة: وفقاً للقرار رقم 411 / 2024، تتولى الإدارة العامة للتفتيش القضائي فحص الشكاوى المتعلقة بواجبات الوظيفة ومسلك أعضاء النيابة العامة والقضاة. فإذا كان “حفظ الشكوى” ناتجاً عن إهمال متعمد أو عدم سماع شهود عيان أو إغفال أدلة مادية، يحق للمتضرر تقديم شكوى للتفتيش القضائي للتحقيق في هذا القصور الإجرائي. 3. هل تسري جريمة “إساءة الأمانة” على الموظف العام؟ الإجابة: الموظف العام (أو عضو الادعاء) اؤتمن على مصالح المجتمع، لذا فإن قيامه بتبديد أو كتم أدلة أو ممتلكات سُلمت إليه بصفته الوظيفية يضعه تحت طائلة قوانين أشد من المادة (360) الجزائية، حيث تُكيف غالباً كجناية اختلاس أو استيلاء على مال عام، بالإضافة إلى المساءلة المسلكية أمام المجلس الأعلى للقضاء. 4. من المسؤول عن تعويض إصابات الأطفال في مواقع البناء المهملة؟ الإجابة: تقع المسؤولية التقصيرية على المقاول أو مالك المشروع. وتعتبر مخالفة تعليمات البلدية بشأن وضع “السياج الحامي” دليلاً دامغاً على الإهمال. وفي حال تم حفظ الشكوى رغم وجود مخالفات بلدية مسجلة وشهود عيان، فإن هذا يُعد خللاً في تطبيق العدالة يستوجب التظلم أمام محكمة الاستئناف. 5. هل يمكن تقديم شكوى ضد إجراءات التقاضي إلكترونياً؟ الإجابة: نعم، أتاحت لائحة التفتيش القضائي الجديدة (المادة 37) تقديم الشكاوى عبر النظام الإلكتروني للمجلس الأعلى للقضاء، مما يضمن سرعة الرقابة والاطلاع على الملفات من قبل المفتشين القضائيين لضمان انتظام سير العمل وحفظ حقوق المتقاضين.   كلمة أخيرة: التفتيش القضائي هو الحصن المنيع إننا لا نستهدف أشخاصاً بعينهم، بل نسعى لترسيخ “ثقافة المحاسبة”. إن تحرك التفتيش القضائي في حالات “الحفظ غير المبرر” هو الوقاية الحقيقية للدولة من أي انتقادات دولية. فالمسألة تتجاوز ملف قضية واحد؛ إنها تتعلق بصيانة كرامة الإنسان العماني وضمان أن كل طفل يعيش على هذه الأرض يقع تحت مظلة قانونية لا تغفل ولا تنام. بناءً على القرار 411/2024، ننتظر دوراً أكثر فاعلية من الإدارة العامة للتفتيش القضائي في مراقبة “الأخطاء الجسيمة” في التحقيق، ليس فقط من أجل المتقاضين، بل من أجل “عمان” التي تستحق دائماً الأفضل في منظومتها العدلية.  

حماية الكيان العدلي: الرقابة القضائية كضمانة لسيادة القانون في سلطنة عمان قراءة المزيد »