المحامي يوسف الخضوري | استشارات قانونية

صرخة حقوقية لحماية الطفولة: عندما يتنصل المقاول من المسؤولية وتتقاعس الجهات الرقابية عن المحاسبة

التعويض عن الضرر في القانون العماني

مقدمة: العدالة لا تُحفظ والمبادئ لا تتجزأ

إن الغاية الأسمى من وجود القوانين والمؤسسات القضائية والرقابية في أي دولة تسعى لترسيخ مفهوم دولة المؤسسات والقانون، هي حماية الأرواح، وصون الحقوق، وضمان عدم إفلات المقصرين من العقاب. ولكن، عندما تصبح خطوط الدفاع الأولى عن المجتمع وأضعف حلقاته -وهم الأطفال- ثغرةً يتسلل منها الإهمال والتقصير دون حساب، فإن الأمر يتطلب وقفة حازمة ومراجعة علنية واضحة لإجراءات سلطات التحقيق والجهات الرقابية.

إن حوادث سقوط الأطفال القصر نتيجة مخلفات البناء التي يتركها مقاول مستهتر، وتتواطأ معها جهة بلدية متقاعسة لا تطبق سلطتها الرقابية والضبطية رغم البلاغات المسبقة، لتنتهي فصولها أحياناً بصدور قرار بـ “حفظ الشكوى”، تمثل نموذجاً يتطلب النقاش القانوني الصارم؛ تجنباً للإجحاف بحق الطفولة، ومنعاً لهدر التعويض عن الضرر في القانون العماني الذي كفلته التشريعات لكل من أصابه ضرر مادي أو معنوي نتيجة الخطأ والتقصير.

أولاً: أركان المسؤولية التقصيرية والإدارية في حوادث الإنشاءات

تتلخص وقائع هذا النوع من القضايا في سلسلة من الإهمال المتراكم؛ حيث يعمد بعض مقاولي البناء إلى وضع مخلفات إنشائية خطرة بالقرب من منازل المواطنين أو في الأحياء السكنية المأهولة. وأمام هذا الخطر الداهم، يتحرك أولياء الأمور من منطلق المواطنة الصالحة والحرص على السلامة العامة لتقديم بلاغات مسبقة إلى البلديات المختصة لإزالة هذه المخلفات.

ورغم قيام الجهات البلدية في كثير من الأحيان بإصدار إقرارات رسمية بمخالفة المقاول بناءً على البلاغات المسبقة، إلا أن الإجراء يظل في بعض الأحيان مجرد حبر على ورق، ولا يتبعه تحرك فعلي لإلزام المقاول بإزالة المخالفة على الفور أو إزالتها على نفقته لمنع الخطر. هذا التراخي الإداري من قِبل الموظف العام المسؤول في الجهة الرقابية يتسبب مباشرة في وقوع الكارثة، حيث يسقط الطفل القاصر وسط تلك المخلفات، وينتهي به المطاف في المستشفيات المرجعية كمستشفى خولة لتلقي العلاج من إصابات بالغة.

إن هذا التسلسل يثبت بما لا يدع مجالاً للشك وجود خطأ مشترك وعلاقة سببية مباشرة بين فعل المقاول (الذي ترك المخلفات) وتقاعس الموظف العام (الذي لم ينفذ سلطة الإزالة الجبرية بعد المخالفة). وهي أركان مكتملة تفرز مسؤولية تقصيرية تستوجب المحاسبة الجزائية والمدنية، ولا يمكن بحال من الأحوال إدراجها تحت بند القوة القاهرة في القانون العماني، فالخطر كان معلوماً ومبلغاً عنه ولم يكن حادثاً فجائياً لا يمكن توقعه أو تداركه.

ثانياً: إشكالية قرارات حفظ الشكوى وصدمة الضمير القانوني

إن صدور قرار من جهات التحقيق بحفظ الشكاوى الموجهة ضد مقاولي البناء أو ضد الموظفين العموميين المتراخين، رغم تكامل الأدلة والقرائن، يمثل معضلة حقيقية أمام المبادئ المستقرة في العدالة الجنائية. وتتجلى هذه الصدمة القانونية عندما يتضمن الملف أدلة دامغة لا تقبل الشك، ومن أبرزها:

  1. صدور مخالفات رسمية لاحقة من الجهة البلدية ضد المقاول: إن قيام البلدية بتحرير مخالفة رسمية وثابتة ضد المقاول بسبب تلك المخلفات الإنشائية -حتى وإن جاءت بعد وقوع حادثة سقوط الطفل- يُعد إقراراً رسمياً قاطعاً بوجود فعل مادي مخالف للأنظمة، ويثبت وجود خطر قائم تسبب في الضرر، مما ينفي أي مجال لاعتبار الأمر مجرد حادث عارض.

  2. إغفال السماع لشهود العيان (إهدار الدليل القولي): إن من أشد الثغرات الإجرائية غرابة في بعض تحقيقات حوادث القصر، هو عدم استدعاء أو سماع شهادة شاهد العيان المرافق للطفل أثناء لحظة السقوط. إن إغفال استدعاء الشاهد الذي عاين الواقعة بصفة مباشرة يُعد إهداراً لـ “الدليل القولي” الجوهري في القضية، وتفريطاً في ركن أساسي من أركان استجلاء الحقيقة ومعرفة كيفية وقوع الضرر وعلاقته السببية بالمخلفات المتروكة.

كيف يُحفظ إذن بلاغ يمس سلامة جسد طفل قاصر في ظل وجود تقارير طبية رسمية، ومخالفة بلدية مسجلة ضد المقاول، وشاهد عيان رافق الضحية ولم يُستدعَ لسماع أقواله؟ وهل يصح التوسع في السلطة التقديرية لعضو الادعاء العام بما يبيح التغاضي عن هذه الأدلة القاطعة والقرائن الجلية؟

إن قرارات الحفظ في مثل هذه الحالات الصارخة، والتي تتجاهل مستندات رسمية صادرة من جهات حكومية (كالبلديات والمستشفيات المرجعية) وتغفل سماع الشهود، تشكل خطراً حقيقياً على السلم المجتمعي؛ كونها تُعطي إشارة سلبية ومطمئنة للمقاولين المستهترين وللموظفين المتخاذلين بأن أرواح الناس وسلامة الأطفال يمكن أن تمر دون مساءلة جزائية تحت وطأة قرارات الحفظ الإداري. لذلك، فإن تفعيل الرقابة القضائية الصارمة على هذه القرارات، والتمسك بحق التظلم القانوني لإعادة فتح الملف واستدعاء الشهود، هو واجب وطني وقانوني أصيل لحماية الطفولة وصون المجتمع.

ثالثاً: دور التفتيش القضائي في ردع التجاوزات الإجرائية

أمام هذه التوجهات السلبية التي قد تظهر في بعض أروقة التحقيق، يبرز الدور العظيم لجهاز التفتيش القضائي بالادعاء العام. إن الأمانة الملقاة على عاتق جهاز التفتيش القضائي تتطلب اتخاذ إجراءات صارمة وحاسمة في حال تبيّن أن هناك عضواً لم يقم بالإجراءات القانونية الصحيحة، أو قرر حفظ شكوى دون مراعاة للأدلة القاطعة والاعترافات الرسمية.

إن التفتيش القضائي هو صمام الأمان الذي يمنع إغفال المستندات أو التكييف الخاطئ للوقائع الذي يترتب عليه ضياع الحقوق. وعندما يثبت تقاعس أي عضو عن أداء واجبه في حماية الطفولة، أو تقاعس الموظف العام في البلدية عن أداء واجبه الرقابي، فإن تفعيل المساءلة المسلكية والرقابية يصبح فرضاً قانونياً لإعادة الأمور إلى نصابها وصيانة هيبة المنظومة القضائية والرقابية في البلاد.

رابعاً: سلطنة عمان والالتزامات الدولية لحقوق الطفل

لا يمكن عزل قضايا إهمال المقاولين وحوادث الأطفال عن السياق الدولي والالتزامات القانونية التي رتبتها سلطنة عمان على نفسها. إن سلطنة عمان تُعد من الدول السباقة والموقعة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، ولديها تشريعات وطنية متطورة متمثلة في قانون الطفل العماني، واللجان والدوائر المتخصصة في قضايا الأسرة والطفل.

إن معنى أن تكون الدولة عضواً في هذه الاتفاقيات الدولية ليس مجرد توقيع بروتوكولي، بل هو التزام قانوني وأخلاقي بتهيئة بيئة آمنة للطفل وحمايته من كافة أشكال الإهمال أو الأخطار التي تهدد حياته أو سلامته الجسدية. وعندما يضيع حق طفل سقط ضحية لإهمال مقاول أو تقاعس جهة إدارية، فإن الأمر يتجاوز حدود القضية الفردية ليضع التزاماتنا الدولية على المحك؛ لذا يجب أن تتناغم ممارسات سلطات التحقيق محلياً مع المبادئ العظمى التي التزمت بها السلطنة دولياً.

خامساً: تفعيل التوجهات السامية لجلالة السلطان المعظم

إن أي مسلك متراخٍ من قِبل الموظفين العموميين أو جهات التحقيق لا يشكل مجرد مخالفة لنصوص قانونية جامدة، بل يمثل حيداً صريحاً عن التوجهات السامية لـ والدنا وقائدنا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-.

لقد أمر جلالة السلطان المعظم في أكثر من محفل بصيانة حقوق الطفل، والحفاظ عليه، وتوفير الرعاية الأسرية والاجتماعية والصحية والبيئية الآمنة ليكون الطفل لبنة قوية وعضواً فاعلاً في بناء عمان المستقبل ورؤيتها الطموحة “عمان 2040”. إن الإهمال الذي يتسبب في إلحاق الضرر بالقصر، ثم إغلاق الملفات وحفظ الشكاوى وكأن شيئاً لم يكن، هو ارتكاب لخطأ جسيم يتعارض بوضوح مع هذه التوجهات السامية، ويعد تخلياً عن الأمانة الوطنية التي ائتمن جلالته المسؤولين عليها في شتى القطاعات البلدية والقضائية.

سادساً: الثقافة القانونية والمقارنات السياقية لحماية الحقوق

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الثقافة القانونية والوعي العام لدى المواطن العماني قد ارتفعا بشكل ملحوظ، وباتت معرفة آليات المحاسبة أمراً ضرورياً للجميع. ولفهم أبعاد هذه القضايا، يمكننا إسقاط الضوء على بعض المفاهيم المستقرة في القانون العماني:

  1. الأمانة الوظيفية مقابل إساءة الأمانة: إذا كان المشرع قد جرم اساءة الامانة في القانون العماني ووضع لها عقوبات صارمة لحماية الأموال والحقوق المادية، فإن “الأمانة الوظيفية” الملقاة على عاتق المسؤولين وعناصر الرقابة والتحقيق هي أمانة أسمى وأعلى، لأنها تتعلق بأرواح البشر وسلامة الأطفال.

  2. قنوات الشكاوى الإدارية والرقابية: يتوجب على المتضررين عدم الاستسلام لقرارات الحفظ، بل استخدام كل الأدوات المتاحة قانوناً. ومثلما تتيح الأنظمة تقديم بلاغات متخصصة مثل تقديم شكوى في حماية المستهلك مسقط أو عبر منافذ حماية المستهلك عمان لمواجهة غش المقاولين في المواد أو الخدمات، فإن المنظومة القضائية تتيح أيضاً “التظلم من قرار حفظ الشكوى” أمام رئيس الادعاء العام أو أمام محكمة الجنايات المنعقدة في غرفة المشورة لإلغاء قرار الحفظ والأمر بتقديم المتهمين للمحاكمة.

  3. التكامل بين الحقوق المالية والتعويض المادي: إن الأضرار الجسدية التي تلحق بالأطفال ترتب حقوقاً لصالح أولياء أمورهم، وتتمثل في المطالبة بـ الحقوق المالية التعويضية عن مصاريف العلاج والأضرار المعنوية والجسدية الجسيمة. هذه الحقوق لا تسقط بحفظ الشكوى الجزائية، بل يمكن رفعها عبر دعوى مدنية مستقلة لإلزام المقاول والجهة المقصرة بالتضامن بأداء التعويض العادل عن الضرر.

خاتمة: المطالبة برفع الحفظ وتحقيق العدالة الناجزة

إن قضايا حوادث الأطفال الناتجة عن الإهمال الإنشائي ليست قضايا فردية تخص عائلات بعينها، بل هي قضايا رأي عام تمس كل أسرة في هذا الوطن العزيز، وتطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى أمان أحيائنا السكنية.

بناءً على كل ما تقدم، نؤكد من خلال هذا المنبر القانوني على ضرورة:

  • تفعيل الرقابة القضائية الصارمة وإلغاء قرارات حفظ الشكاوى في الحوادث التي تمس سلامة الأطفال متى ما توفرت أدلة الإهمال.

  • إحالة مقاولي البناء المستهترين والموظفين المسؤولين عن التراخي الرقابي إلى المحاكم المختصة لينالوا جزاءهم العادل.

  • قيام التفتيش القضائي بفتح ملفات تحقيق شفافة في أي شكاوى تتعلق بإغفال الأدلة ومحاسبة المقصرين.

  • تمكين أسر الضحايا من نيل كافة حقوقهم القانونية والمالية والتعويضية.

إن عمان كانت وستبقى دولة للعدل والقانون تحت ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم، ولن نسمح لتقاعس مقاول أو إهمال موظف أن يخدش وجه العدالة المشرق في هذا الوطن الغالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *