سلطة المجتمع في ملاحقة الجريمة: قراءة قانونية في المادة (1) من قانون الادعاء العام العماني
بقلم: المحامي يوسف الخضوري مقدمة: ركائز العدالة الجنائية وسلطة القانون تقوم المجتمعات المستقرة على مبدأ سيادة القانون، وتعتبر المنظومة القضائية بمثابة السياج الحامي للحقوق والحريات، والصمام الذي يضمن عدم ضياع حقوق الأفراد والمجتمع على حد سواء. إن الجريمة، أياً كان حجمها أو أثرها، لا تمثل اعتداءً على المجني عليه بمفرده فحسب، بل هي خطوة تُخل بأمن المجتمع واستقراره العام. من هذا المنطلق، أفرد المشرع العماني في منظومته التشريعية نصوصاً صريحة تنظم الجهة القضائية التي تتولى نيابة عن المجتمع المطالبة بمعاقبة المذنبين وإعادة الحقوق إلى نصابها. تأتي المادة (1) من قانون الادعاء العام العماني (الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 92/99) لتضع الحجر الأساس للهيكل الإجرائي وسلطة التحقيق الجنائي في السلطنة، حيث نصت بصيغة حاسمة على أن: “يتولى الادعاء العام الدعوى العمومية باسم المجتمع، ويشرف على شؤون الضبط القضائي، ويسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام، وغير ذلك من الاختصاصات التي يقررها القانون.” بصفتي ممارساً قانونياً ومحامياً، أرى أن استيعاب أبعاد هذا القانون يمثل المدخل الرئيسي لكل مواطن ومقيم لفهم كيفية سير العدالة الجنائية في سلطنة عمان، ومعرفة القنوات الرسمية التي كفلتها الدولة لحماية الأنفس والأموال والمعاملات الاقتصادية واليومية. المحور الأول: اختصاص الادعاء العام بالدعوى العمومية نيابة عن المجتمع إن مفهوم “الدعوى العمومية” يعني الخصومة القضائية التي تُرفع أمام المحاكم الجزائية للمطالبة بتطبيق العقوبة المقررة قانوناً على من ارتكب الجريمة. والمشرع العماني، بموجب المادة الأولى من قانون الادعاء العام، نزع سلطة تحريك هذه الدعوى من أيدي الأفراد وجعلها حكراً على هيئة قضائية مستقلة ومتخصصة تتبع المجلس الأعلى للقضاء. والسبب في ذلك يعود إلى رغبة المشرع في ضمان الحياد والموضوعية؛ وحتى لا تتحول الخصومات الجنائية إلى أداة للتجني بين الأفراد، ولأن الجريمة تروع المجتمع، فإن المجتمع هو الخصم الحقيقي للمجرم، والادعاء العام هو محامى هذا المجتمع والذائد عن أمنه. لذلك، بمجرد وقوع الجريمة، تخرج سلطة الملاحقة من النطاق الفردي لتصبح حقاً عاماً تشرف عليه الدولة، لا سيما في الجرائم التي تمس الاستقرار المالي والاجتماعي، مثل قضايا الاحتيال الرقمي أو قضايا إساءة الأمانة في القانون العماني، حيث يتولى أعضاء الادعاء العام فحص الأدلة وتكييف التهمة وإحالتها للمحكمة المختصة نيابة عن الجميع حمايةً لـ الحقوق المالية وصوناً للأمانات. المحور الثاني: الإشراف على شؤون الضبط القضائي وتكامل الأدوار لا تقتصر مهمة الادعاء العام بموجب قانونه الخاص على الوقوف أمام القضاة في قاعة المحكمة فحسب، بل تبدأ سلطته من اللحظات الأولى لوقوع الجريمة أو التبليغ عنها من خلال “الإشراف على شؤون الضبط القضائي”. ومأمورو الضبط القضائي (مثل رجال الشرطة، ومفتشي الجهات الرقابية) هم العيون الساهرة التي تبحث عن الجرائم وتجمع الاستدلالات وتلقي القبض على المتهمين في الأحوال المصرح بها قانوناً تحت الغطاء القضائي للادعاء العام. ومن أبرز أمثلة التنسيق المشترك، ما يتم بين الادعاء العام ومفتشي الهيئة العامة لحماية المستهلك؛ حيث تلعب الهيئة دوراً محورياً في مراقبة الأسواق لضمان حماية المستهلك عمان من الغش والتدليس التجاري، وتوثيق المخالفات الجسيمة التي قد ترقى لمرتبة الجرائم الجزائية وتحويلها مباشرة إلى الادعاء العام بملفات مستوفية الشروط القانونية للاقتصاص من المخالفين وصون اقتصاد الوطن. المحور الثالث: المسارات الإجرائية المتاحة للأفراد لحماية حقوقهم بناءً على هذا التقسيم التشريعي، وضع القانون آليات واضحة تتيح للأفراد تحريك هذه المنظومة القضائية لحمايتهم عند وقوع أي تعدٍ. وتختلف هذه المسارات بحسب طبيعة المخالفة أو الاعتداء: 1. المسار التجاري والاستهلاكي إذا كان النزاع يدخل في إطار العلاقة بين المستهلك والمزود، مثل عيوب السلع، أو الغش التجاري، أو الامتناع عن تقديم الخدمة المتفق عليها، فإن الخطوة التوعوية الأولى والأساسية تبدأ من خلال اللجوء إلى الهيئات الرقابية المتخصصة، مثل تقديم شكوى في حماية المستهلك مسقط أو الفروع التابعة لها في المحافظات، حيث يتم التحقيق الإداري ومحاولة تسوية النزاع، وإذا ثبت وجود شق جنائي يتم إحالة الأمر برمته إلى الادعاء العام ليمارس اختصاصه الأصيل. 2. المسار الجنائي المباشر أما في الحالات التي يتعرض فيها الشخص لجريمة جنائية صريحة (كالسرقة، أو التهديد، أو الاختلاس)، فإن الخيار القانوني المباشر هو تقديم شكوى الادعاء العام سواء عبر مراكز الشرطة المختصة إقليمياً أو بالتوجه المباشر لمقار الادعاء العام. وتماشياً مع رؤية سلطنة عمان نحو التحول الرقمي الشامل وتسهيل سبل التقاضي، أصبح بإمكان المجني عليهم الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة واختصار الوقت والجهد من خلال تقديم شكوى إلكترونية للادعاء العام عبر البوابات والمنصات الرقمية المعتمدة، مما يضمن سرعة قيد البلاغ وبدء إجراءات التحقيق والضبط فورا وبأعلى درجات السرية والاحترافية. المحور الرابع: الموازنة بين إنفاذ القانون وظروف انتفاء المسؤولية الجنائية عندما تباشر سلطات التحقيق عملها بموجب المادة (1) من قانون الادعاء العام، فإنها لا تنظر إلى مصلحة طرف على حساب الآخر، بل تبحث عن الحقيقة المجردة تفعيلاً لمبدأ وسيادة القانون. لذلك، يحرص أعضاء الادعاء العام على دراسة كافة الظروف المحيطة بالجريمة، والتحقق مما إذا كان هناك موانع للمسؤولية الجزائية أو ظروف خارجة عن إرادة المتهم تنفي عنه النية الجنائية. على سبيل المثال، في النزاعات العقودية والالتزامات المالية، قد يعجز أحد الأطراف عن الوفاء بالتزامه نتيجة ظروف عامة قاهرة ومفاجئة لا يد له فيها. هنا، يتم تفعيل نظرية القوة القاهرة في القانون العماني، والتي تعد سبباً قانونياً أصيلاً لإعفاء المدين من المسؤولية المدنية والجنائية إذا ثبت أن استحالة التنفيذ كانت مطلقة وخارجة تماماً عن إرادته وتوقعه، مما يحمي الأفراد حسن النية من الملاحقة القضائية الظالمة ويوجه دفة العدالة نحو مسارها الصحيح. المحور الخامس: الشق المدني التبعي وجبر الضرر المالي إن ملاحقة المذنبين وإنزال العقوبة الجزائية عليهم (كالسجن أو الغرامة التي تؤول لخزانة الدولة) تحقق الردع العام والخاص وتطهر المجتمع من الجريمة، ولكنها قد لا تعوض المجني عليه عما لحق به من خسائر شخصية ومادية مباشرة. لذلك، أتاح القانون للمتضرر من الجريمة أن يطالب بحقه الخاص بالتوازي مع الدعوى العمومية التي يرفعها الادعاء العام؛ إذ يمثل التعويض عن الضرر في القانون العماني الأداة الشرعية والقضائية لجبر الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالضحية جراء الفعل الجرمي. ويمكن رفع هذه الدعوى المدنية تَبَعاً للدعوى الجزائية أمام قاضي المحكمة الجزائية لتفصل فيها بحكم واحد، مما يوفر على المتقاضين مشقة تشتيت النزاعات بين محاكم متعددة ويسرع من عملية رد الحقوق لأصحابها. نصائح وتوصيات قانونية وعملية للقارئ بصفتي مستشاراً قانونياً، أختتم هذا المقال التوعوي بمجموعة من التوصيات الجوهرية التي تقي الأفراد والمؤسسات من الوقوع في شرك النزاعات الجنائية أو التفريط في حقوقهم: التوثيق والكتابة: لا تعتمد على الوعود الشفهية في المعاملات المالية أو التجارية؛ فالتوثيق العقدي السليم هو خط دفاعك الأول أمام القضاء والادعاء العام. المبادرة بالإجراء الصحيح: عند تعرضك لأي انتهاك أو احتيال، لا تتردد في استخدام الوسائل الرقمية التي وفرتها الدولة لتقديم بلاغك فوراً لضمان عدم ضياع معالم الجريمة أو








