بقلم المحامي/يوسف الخضوري
مقدمة: النهضة المتجددة وسيادة القانون
في ظل النهضة المتجددة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، باتت دولة القانون والمؤسسات هي الركيزة التي تنطلق منها كافة خطط التنمية. إن العدالة في المفهوم السامي ليست مجرد فض فصل في النزاعات، بل هي بيئة متكاملة يسودها النظام وتتحقق فيها المساواة المطلقة بين الخصوم، أياً كانت صفتهم. ومن هذا المنطلق، تبنى المجلس الأعلى للقضاء مشروع التحول الرقمي الشامل لتحديث منظومة التقاضي وجعلها أكثر مرونة وشفافية.
![]()
أولاً: التحول الرقمي كاستحقاق قانوني لا خيار إجرائي
لم يعد الرفع الإلكتروني للدعاوى والمذكرات مجرد وسيلة تقنية للتسهيل، بل أصبح استحقاقاً قانونياً ملزماً وإطاراً منظماً للخصومة القضائية. لقد التزم المحامون والمتقاضون في سلطنة عمان بكل مسؤولية بمتطلبات المنصة الإلكترونية، إيماناً منهم بأن سرعة الفصل في القضايا تبدأ من انضباط الإجراءات. هذا الالتزام هو امتداد لما نلمسه من تطور في خدمات التنفيذ في سلطنة عمان، حيث أثبتت الرقمنة أنها الأداة الأقوى لتحصيل الحقوق.
ثانياً: إشكالية عدم التزام الجهات الإدارية بالرفع الإلكتروني
إن جوهر القضاء الإداري هو الرقابة على مشروعية أعمال الإدارة وتوفير ملاذ آمن للأفراد ضد أي تغول أو تعسف. ومع ذلك، يواجه العمل القضائي تحدياً إجرائياً يتمثل في “عدم التكافؤ التقني” بين أطراف الخصومة. فبينما يجد المحامي نفسه ملزماً برفع كل ورقة إجرائية عبر المنصة الإلكترونية وفي مواعيد حتمية، نجد أن بعض الجهات الإدارية -وهي الخصم في الدعوى- لا تلتزم بذات المعيار.
هذا التفاوت يخلق وضعاً غريباً؛ فالجهة الإدارية قد تقدم مذكراتها ورقياً أو تتأخر في الرد دون أن يتم تفعيل الجزاء الإجرائي ضدها بصرامة، مما يفرغ “التحول الرقمي” من محتواه. إن العدالة تقتضي أن يكون “الخصم الإداري” قدوة في الالتزام بالقانون وتوجهات الدولة، لا أن يكون استثناءً يخرج عن نطاق الرقابة الإلكترونية.
ثالثاً: مخاطر التجاوز الإجرائي على حقوق المتقاضين
إن غياب المساءلة للجهات الإدارية عن عدم الالتزام بالرفع الإلكتروني يترتب عليه أضرار جسيمة، أهمها:
إطالة أمد التقاضي: وهو ما يتنافى مع مبدأ العدالة الناجزة.
الإخلال بحق الدفاع: عندما لا يتم الرفع الإلكتروني، قد يحرم الطرف الآخر من الاطلاع الفوري والرد المناسب، مما يضعف من ضمانات التعويض عن الضرر في القانون العماني الذي قد يطالب به الفرد نتيجة تقاعس الإدارة.
انعدام المساواة: إذا كان القانون يطبق بصرامة على الفرد ويرخي العنان للإدارة، فإننا نكون أمام “عدالة بمسطرتين”، وهو ما لا يرتضيه المقام السامي لجلالة السلطان -أعزه الله-.
رابعاً: التكامل بين حماية المستهلك والرقابة القضائية
لا ينفصل هذا النقد عن سياقنا القانوني العام؛ فكما نطالب بصرامة القوانين في هيئة حماية المستهلك لحماية حقوق الأفراد في السوق، فإننا نطالب بذات الصرامة داخل أروقة محكمة القضاء الإداري لحماية “المستهلك القانوني” (المتقاضي) من بطء الإجراءات الإدارية. إن حماية الفرد من تعسف الإدارة في الإجراءات لا يقل أهمية عن حمايته من الغش التجاري، فكلاهما يصب في خانة “الأمن القانوني”.
خامساً: مقترحات لتطوير الرقابة القضائية الإلكترونية
من واقع الممارسة العملية أمام المحاكم، نضع بين يدي القائمين على المنظومة القضائية المقترحات التالية:
تجميد قبول المذكرات الورقية: يجب أن ترفض المحكمة استلام أي مذكرة من جهة إدارية ما لم تكن مرفوعة إلكترونياً عبر النظام المعتمد.
تفعيل جزاء “اعتبار الدعوى كأن لم تكن” أو “حجز الدعوى للحكم”: في حال تأخرت الإدارة عن الرد الإلكتروني في الموعد المحدد، يجب معاملتها تماماً كالأفراد.
ربط الأداء التقني للجهات الإدارية بالمجلس الأعلى للقضاء: بحيث يتم إصدار تقارير دورية توضح مدى التزام كل وزارة بمتطلبات التقاضي الإلكتروني.
سادساً: الاستنتاج.. نحو قضاء إداري ريادي
إن بناء دولة القانون يتطلب شجاعة في النقد وحرصاً على التطوير. إن عتابنا للقضاء الإداري هو “عتاب المحب” الحريص على صورة العدالة في عُمان. إننا نتطلع إلى أن تكون منصة القضاء الإلكترونية ساحة حقيقية للمساواة، حيث لا ميزة لوزير على مواطن، ولا حصانة لجهة إدارية من اتباع القانون. بهذه الروح فقط، وبترسيخ مبدأ المحاسبة على إساءة الأمانة الإجرائية إن جاز التعبير، سنصل إلى القضاء الذي أراده جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله-؛ قضاءً عادلاً، ناجزاً، ومتساوياً أمام الجميع.
5. الأسئلة الشائعة المعدلة (FAQ Schema)
س1: هل يجوز قانوناً تراخي الجهات الإدارية في الرفع الإلكتروني بينما يلتزم المحامون والأفراد بذلك؟
الجواب: لا يجوز قطعاً؛ فمبدأ “المساواة أمام القضاء” يقتضي وحدة الإجراءات لكافة الخصوم. التزام المحامين والأفراد بالرفع الإلكتروني الإلزامي يقابله وجوب التزام الجهات الإدارية بذات المعيار، وأي استثناء إجرائي للإدارة يخل بسلامة الخصومة القضائية ويخرجها عن إطار دولة القانون.
س2: ما هي الأضرار المترتبة على عدم التزام الجهة الإدارية بالتحول الرقمي القضائي؟
الجواب: تترتب أضرار جسيمة، أبرزها “العدالة البطيئة” التي هي نوع من الظلم؛ حيث يؤدي عدم الرفع الإلكتروني إلى عرقلة سير الدعوى، وحرمان المتقاضي من ممارسة حقه في الرد الفوري، وضياع الوقت والجهد في إجراءات ورقية عفا عليها الزمن، مما يضر بمصالح الأفراد والمستثمرين على حد سواء.
س3: ماذا يترتب قانوناً عند ثبوت تقاعس الإدارة عن الرفع الإلكتروني في المواعيد؟
الجواب: يترتب على ذلك استحقاق المتقاضي للمطالبة بـ “التعويض عن الضرر الإجرائي”، كما يجب على المحكمة تفعيل الجزاءات المنصوص عليها في قانون الإجراءات، مثل “اعتبار المذكرة كأن لم تكن” أو “حجز الدعوى للحكم” في حال فوات المواعيد، ضماناً لهيبة المنظومة الإلكترونية القضائية.
س4: كيف عززت رؤية عُمان 2040 دور القضاء الإداري؟
الجواب: من خلال ترسيخ مبدأ سيادة القانون وتطوير المنظومة القضائية تقنياً لضمان الشفافية والمساواة المطلقة بين الفرد والمؤسسات الحكومية، واعتبار القضاء شريكاً أساسياً في حماية الحقوق وبناء بيئة استثمارية آمنة.
الخاتمة: نحو عدالة ناجزة ومساواة رقمية مُطلقة
“ختاماً، إنَّ القضاء الإداري في سلطنة عُمان لم يكن يوماً مجرد ساحة لفض النزاعات، بل هو الحارس الأمين لسيادة القانون والضمانة الحقيقية لحقوق الأفراد في مواجهة سلطة الإدارة. وبناءً على ما تقدم، فإنَّ التحول الرقمي القضائي ليس ترفاً تقنياً، بل هو استحقاق دستوري وقانوني يفرض على الجميع الانضباط تحت سقف واحد.
إنَّ تراخي بعض الجهات الإدارية في الرفع الإلكتروني، بينما يُلزم المحامي والفرد بصرامة تقنية وتوقيتات حتمية، يضع مبدأ المساواة أمام القضاء على المحك. لذا، فإننا نرفع هذا العتاب المهني إلى المجلس الأعلى للقضاء الموقر، وكافة القائمين على محكمة القضاء الإداري، آملين في تفعيل الرقابة الإجرائية الصارمة التي لا تستثني أحداً.
إنَّ عُمان التي رسم ملامحها المستقبلية جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- هي دولة لا يعلو فيها صوتٌ فوق صوت القانون، ولا يُحابى فيها خصمٌ على حساب آخر. وبتحقيق المساواة الرقمية في أروقة المحاكم، نكون قد أتممنا بناء جسور الثقة التي ينشدها المتقاضي والمستثمر على حد سواء، لنصل بقضائنا إلى مصاف الأنظمة العالمية ريادةً وعدلاً.”
Pingback: ثورة التنفيذ الإلكتروني: دليلك الشامل لخدمات تقديم طلبات التنفيذ في سلطنة عُمان