المحامي يوسف الخضوري | استشارات قانونية

سيادة القانون

"حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، الداعم الأول لترسيخ مبادئ العدالة الناجزة وتطوير المنظومة القضائية في سلطنة عمان."

العدالة الناجزة.. ركيزة التوجيهات السامية لتطوير المنظومة القانونية

بقلم/ المحامي يوسف الخضوري في ظل النهضة المتجددة التي تشهدها سلطنة عمان، تحظى المنظومة القانونية والقضائية باهتمام بالغ من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-. وتبرز “العدالة الناجزة” كهدف استراتيجي ضمن رؤية عمان 2040، فهي ليست مجرد شعار، بل هي تطبيق عملي لمبدأ سيادة القانون وضمان الحقوق في أسرع وقت. بصفتي المحامي يوسف الخضوري، أستعرض في هذا المقال كيف تعزز التوجيهات السامية دور النيابة العامة، ليس فقط كجهة تحكم، بل كحارس للحق العام ووكيل عن المجتمع في استجلاء الحقيقة. أولاً: جوهر العدالة الناجزة ومسؤولية النيابة العامة إن مفهوم العدالة الناجزة يستند إلى أن “العدالة المتأخرة هي عدالة منقوصة”. ومن هذا المنطلق، حدد المشرع العماني دوراً محورياً للادعاء العام، وهو الدور الذي يجعله “المحرك الأول” للعدالة الجنائية. تنص المادة (1) من قانون النيابة العامة على أن: “يتولى النيابة العامة الدعوى العمومية باسم المجتمع، ويشرف على شؤون الضبط القضائي، ويسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام…”. هذا النص يرسخ قاعدة ذهبية: النيابة العامة هو من يبحث عن الجناة. الكثير من المتقاضين يعتقدون خطأً أن عليهم القيام بدور المحقق أو البحث عن أدلة الإدانة أو تعقب أسماء المشتبه بهم. الحقيقة القانونية، التي تنسجم مع التوجيهات السامية، هي أن النيابة العامة يمتلك سلطة واسعة في البحث والتحري. هو الذي يستجلي أسماء الجناة، ويحدد صفاتهم القانونية، ويبحث عن الأدلة التي تدينهم، وذلك من خلال إشرافه المباشر على مأموري الضبط القضائي. ثانياً: لماذا لا يُكلف المجني عليه بالبحث؟ من مبادئ العدالة الناجزة أن العبء الأساسي للبحث عن الحقيقة يقع على عاتق الدولة ممثلة في النيابة العامة. إن تكليف المجني عليه بالبحث عن الجاني أو جمع صفاته وتفاصيله الدقيقة يفرغ العدالة من مضمونها ويفتح الباب أمام “البلاغات الكيدية” أو ضياع الحقوق بسبب ضعف قدرة المجني عليه على البحث. عندما تتوجه بشكواك، فإن النيابة العامة -بما يمتلكه من سلطات وصلاحيات استقصائية وتقنية- يقوم بـ: التحري عن الجاني: تحديد هوية الفاعل وصفاته القانونية ومحل إقامته. الاستقصاء: جمع الأدلة التي قد لا تصل إليها يد المجني عليه. التكييف القانوني: تحديد الجريمة بدقة، سواء كانت في نطاق إساءة الأمانة في القانون العماني أو غيرها من الجرائم، مما يضمن سير الدعوى في مسارها الصحيح. هذا الدور هو ما يجعلنا نؤكد أن النيابة العامة هو “صمام الأمان”. فبدلاً من أن يهدر المواطن وقته في البحث، يضع شكواه أمام جهة تملك الصلاحية الدستورية والقانونية لإنجاز العمل بأكمله الوجه، وهو ما يجسد فعلياً توجيهات جلالة السلطان نحو عدالة لا تُرهق المواطن، بل تحميه. ثالثاً: مسارات الحقوق في ظل المنظومة القانونية لضمان استرداد حقوقك، يجب أن تعي تماماً المسار القانوني الذي تسلكه. إذا كانت قضيتك تتطلب بحثاً دقيقاً عن المسؤولين، فإن تقديم شكوى النيابة العامة هو المسار الأول والأساسي. ومع التطور التقني، أصبحت الخدمة متاحة عبر تقديم شكوى إلكترونية للادعاء العام، والتي تضمن تسجيل بلاغك فوراً ومنحك رقم مرجع لمتابعة إجراءات البحث التي يقوم بها النيابة العامة بنفسه. لكن، يجب التنويه أن هناك تداخلاً بين الحق العام والخاص. فبينما يبحث النيابة العامة عن الجاني لمعاقبته، يظل للمجني عليه دور في المطالبة بـ التعويض عن الضرر في القانون العماني و الحقوق المالية المترتبة على ذلك. هذا لا يعني أنك تبحث عن الجاني، بل يعني أنك تُقيم الضرر الذي أصابك وتطالب بجبره. رابعاً: تكامل الأدوار لتحقيق التوجيهات السامية إن التوجيهات السامية نحو “العدالة الناجزة” تعني أيضاً توجيه المؤسسات للعمل بروح المسؤولية. فعلى سبيل المثال، في قضايا حماية المستهلك عمان، تتكامل الأدوار بين الهيئة والنيابة العامة لضمان حماية حقوق المستهلك، سواء عبر تقديم شكوى في حماية المستهلك مسقط أو غيرها من المحافظات. وعندما نتحدث عن القوة القانونية، يجب أن ندرك أن حتى العقود المدنية تخضع للعدالة، حيث أن القوة القاهرة في القانون العماني قد تنهي التزامات قانونية، مما يتطلب من جهات البحث (النيابة العامة) التأكد من وجود جريمة قبل تحويل الأمر للقضاء الجنائي. خامساً: نصائح المحامي للمتقاضي الثقة في المؤسسات: كن على يقين أن النيابة العامة هو أقدر جهة على البحث عن الجناة وتحديد صفاتهم. قدم معلوماتك، واترك لجهة التحقيق ممارسة سلطاتها الاستقصائية. عدم المبادرة الفردية: لا تحاول القيام بدور المحقق، فقد تعرض نفسك للمساءلة القانونية أو إتلاف أدلة قد تكون حاسمة في القضية. المتابعة القانونية: متابعة القضية في النيابة العامة تكون عبر الاستفسار عن مجريات التحقيق، لا عبر القيام بالتحقيق نفسه. الخاتمة: نحو رؤية قانونية شاملة إن التوجيهات السامية لجلالة السلطان هيثم بن طارق -أعزه الله- بتطوير المنظومة القانونية تعيد للأذهان أن العدالة هي عماد الملك. إن تكليف النيابة العامة بالبحث عن الجناة وجمع الأدلة، هو تجسيد لسيادة القانون. إننا كمحامين، نرى أن هذا الدور الذي يقوم به النيابة العامة، وهو يسهر على تطبيق القوانين الجزائية، هو الضمانة الأكبر لاستقرار المجتمع. نحن نثق في مؤسساتنا القانونية، وندعو الجميع للالتزام بالقانون، مع المطالبة بحقوقهم عبر المسارات الصحيحة التي رسمها المشرع العماني لضمان عدالة ناجزة وحق مصون.  

العدالة الناجزة.. ركيزة التوجيهات السامية لتطوير المنظومة القانونية قراءة المزيد »

حماية الكيان العدلي: الرقابة القضائية كضمانة لسيادة القانون في سلطنة عمان

مقدمة: تعتبر منظومة العدالة في سلطنة عمان أحد الأركان الأساسية التي قامت عليها النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-. إن الرؤية الحكيمة لجلالته وضعت “الإنسان” وحقوقه في المقام الأول، وهو ما يتطلب جهازاً قضائياً يتسم بالكفاءة والنزاهة والرقابة الذاتية المستمرة. ومن هنا، يبرز المجلس الأعلى للقضاء: قرار رقم ٤١١ / ٢٠٢٤ بإصدار لائحة التفتيش القضائي على أعمال القضاة وأعضاء النيابة العامة كوثيقة تاريخية تعيد رسم خارطة المحاسبة والتقويم لضمان عدم ضياع الحقوق خلف أبواب الإجراءات المعقدة.   التفتيش القضائي: أكثر من مجرد رقابة إدارية إن التفتيش القضائي، بموجب اللائحة الجديدة، لم يعد مجرد جهة لتقييم الدرجات الوظيفية، بل أصبح “عين العدالة” التي تلاحق أي قصور فني أو مسلكي. فالفصل السادس من اللائحة، وتحديداً المادة (37)، فتحت الباب على مصراعيه لضمان حق المتقاضي في التظلم، حيث نصت على أن: “تحال إلى الإدارة جميع الشكاوى التي تقدم ضد القاضي أو عضو النيابة العامة عن عمله، وواجبات وظيفته، ومسلكه داخل العمل أو خارجه”. هذه المادة تمثل ذروة الشفافية؛ فهي لا تحمي المتقاضي فحسب، بل تحمي كيان الدولة من أي ممارسات فردية قد تضع الحكومة الرشيدة في مواقف محرجة أمام المنظمات الدولية والحقوقية التي تعد السلطنة عضواً فاعلاً وملتزماً فيها. المثال الرمزي: عندما يتصادم “قرار الحفظ” مع “الحق الجلي” لنفهم أهمية تفعيل دور التفتيش القضائي، يجب أن نستعرض “مثلاً افتراضياً” يجسد الحاجة للرقابة. تخيل واقعة يسقط فيها طفل في مخلفات بناء تابعة لمشروع إنشائي، مما يسفر عن إصابات جسدية جسيمة. في هذا المثال، تتوفر كافة الأدلة: دليل مادي: محضر رسمي من البلدية يثبت مخالفة المقاول لعدم وضعه سياجاً حامياً. دليل بشري: وجود شاهد عيان كان حاضراً لحظة السقوط ومستعد للإدلاء بشهادته. “إن التقصير في وضع سياج حامٍ حول مخلفات البناء يعد مخالفة جسيمة تندرج ضمن قضايا حماية المستهلك عمان التي يجب الحزم فيها.” “وعندما يتم حفظ الشكوى رغم وجود أدلة، يحق للمتضرر البدء في إجراءات التظلم من هذا القرار.” إذا انتهى التحقيق في هذا المثال إلى “حفظ الشكوى لعدم كفاية الدليل”، فإننا أمام علامة استفهام كبرى. هنا يأتي دور التفتيش القضائي ليتساءل: لماذا لم تُسمع شهادة الشاهد؟ ولماذا أُغفل التقرير الرقابي الصادر من البلدية؟ إن حفظ الشكوى في ظل وجود أدلة دامغة ليس مجرد وجهة نظر قانونية، بل هو “انتهاك صارخ” يتطلب تحرك الإدارة العامة للتفتيش القضائي لضمان أن عضو النيابة العامة قد قام بواجباته المهنية دون تقصير. “إن إغفال الأدلة الدامغة قد يضعنا أمام تساؤلات حول إساءة الأمانة في القانون العماني فيما يخص الواجبات الوظيفية والرقابة القضائية.” أثر القصور في التحقيق على مكانة الدولة سلطنة عمان تحت مجهر المؤسسات الحقوقية العالمية، والالتزام بـ حقوق الطفل هو التزام أخلاقي وقانوني ودولي. إن أي تهاون في حماية حقوق الأطفال -حتى لو كان ناتجاً عن خطأ إجرائي فردي- قد يُفسر على أنه خلل في منظومة الحماية العامة. لذا، فإن وقوفنا بجانب جلالة السلطان -أعزه الله- يقتضي منا كقانونيين ومسؤولين التنبيه لخطورة هذه “الهفوات” التي قد تمس كيان الدولة بالكامل. العدالة ليست فقط في “النطق بالحكم”، بل في “سلامة التحقيق” و”استنفاد سبل الإثبات”. وإغلاق ملفات القضايا التي تمس سلامة الإنسان دون تمحيص دقيق هو أمر لا يمكن تجاوزه في ظل لائحة التفتيش الجديدة. آليات الرقابة التقنية والشفافية لقد وفرت المادة (37) والمادة (45) من اللائحة نظاماً إلكترونياً يخول الإدارة نقل وتبادل البيانات، مما يعني أن “المفتش القضائي” أصبح بإمكانه الاطلاع على ملف القضية وسير التحقيق عن بُعد. هذا التطور التقني يقطع الطريق على أي محاولات لتعطيل العدالة أو إخفاء القصور الإداري.  أسئلة حول إجراءات التقاضي والنيابة العامة 1. كيف يمكنني التظلم من قرار حفظ الشكوى الصادر من النيابة العامة؟ الإجابة: يتم التظلم أمام محكمة الاستئناف المختصة (دائرة الجنايات) منعقدة في غرفة المشورة خلال المدة القانونية المقررة (غالباً عشرة أيام من تاريخ الإعلان بالقرار). يجب تقديم التظلم مشفوعاً بالأدلة والقرائن التي تُثبت وجود قصور في قرار الحفظ أو ظهور أدلة جديدة لم تُعرض سابقاً. 2. ما هو دور التفتيش القضائي في حال وجود إهمال في التحقيق؟ الإجابة: وفقاً للقرار رقم 411 / 2024، تتولى الإدارة العامة للتفتيش القضائي فحص الشكاوى المتعلقة بواجبات الوظيفة ومسلك أعضاء النيابة العامة والقضاة. فإذا كان “حفظ الشكوى” ناتجاً عن إهمال متعمد أو عدم سماع شهود عيان أو إغفال أدلة مادية، يحق للمتضرر تقديم شكوى للتفتيش القضائي للتحقيق في هذا القصور الإجرائي. 3. هل تسري جريمة “إساءة الأمانة” على الموظف العام؟ الإجابة: الموظف العام (أو عضو الادعاء) اؤتمن على مصالح المجتمع، لذا فإن قيامه بتبديد أو كتم أدلة أو ممتلكات سُلمت إليه بصفته الوظيفية يضعه تحت طائلة قوانين أشد من المادة (360) الجزائية، حيث تُكيف غالباً كجناية اختلاس أو استيلاء على مال عام، بالإضافة إلى المساءلة المسلكية أمام المجلس الأعلى للقضاء. 4. من المسؤول عن تعويض إصابات الأطفال في مواقع البناء المهملة؟ الإجابة: تقع المسؤولية التقصيرية على المقاول أو مالك المشروع. وتعتبر مخالفة تعليمات البلدية بشأن وضع “السياج الحامي” دليلاً دامغاً على الإهمال. وفي حال تم حفظ الشكوى رغم وجود مخالفات بلدية مسجلة وشهود عيان، فإن هذا يُعد خللاً في تطبيق العدالة يستوجب التظلم أمام محكمة الاستئناف. 5. هل يمكن تقديم شكوى ضد إجراءات التقاضي إلكترونياً؟ الإجابة: نعم، أتاحت لائحة التفتيش القضائي الجديدة (المادة 37) تقديم الشكاوى عبر النظام الإلكتروني للمجلس الأعلى للقضاء، مما يضمن سرعة الرقابة والاطلاع على الملفات من قبل المفتشين القضائيين لضمان انتظام سير العمل وحفظ حقوق المتقاضين.   كلمة أخيرة: التفتيش القضائي هو الحصن المنيع إننا لا نستهدف أشخاصاً بعينهم، بل نسعى لترسيخ “ثقافة المحاسبة”. إن تحرك التفتيش القضائي في حالات “الحفظ غير المبرر” هو الوقاية الحقيقية للدولة من أي انتقادات دولية. فالمسألة تتجاوز ملف قضية واحد؛ إنها تتعلق بصيانة كرامة الإنسان العماني وضمان أن كل طفل يعيش على هذه الأرض يقع تحت مظلة قانونية لا تغفل ولا تنام. بناءً على القرار 411/2024، ننتظر دوراً أكثر فاعلية من الإدارة العامة للتفتيش القضائي في مراقبة “الأخطاء الجسيمة” في التحقيق، ليس فقط من أجل المتقاضين، بل من أجل “عمان” التي تستحق دائماً الأفضل في منظومتها العدلية.  

حماية الكيان العدلي: الرقابة القضائية كضمانة لسيادة القانون في سلطنة عمان قراءة المزيد »