المحامي يوسف الخضوري | استشارات قانونية

شروط الحضانة في النظام السعودي الجديد

مقدمة: ثورة التقنين في قوانين الأسرة السعودية

يعد نظام الأحوال الشخصية السعودي الجديد حجر الزاوية في مسيرة الإصلاح العدلي بالمملكة العربية السعودية. لقد جاء هذا النظام ليضع حداً للاجتهادات الفردية، مرسخاً مبدأً عالمياً واحداً هو “مصلحة المحضون”. إن فهم نصوص المواد 125 و126 ليس مجرد معرفة قانونية، بل هو ضرورة حتمية لكل أسرة تسعى لضمان استقرار أطفالها النفسي والجسدي بعيداً عن صراعات التقاضي.


أولاً: تحليل المادة الخامسة والعشرون بعد المائة (شروط الحاضن العامة)

تضع هذه المادة “المسطرة” القانونية التي يُقاس عليها صلاح الشخص لتولي مسؤولية الحضانة. فالمنظم السعودي لم يجعل الحضانة حقاً تلقائياً، بل ربطها بجملة من الشروط الموضوعية:

1. كمال الأهلية: الركن الأساسي

كمال الأهلية في النظام السعودي يعني بلوغ سن الرشد (18 عاماً) مع التمتع بكامل القوى العقلية. الحضانة ولاية على الغير، ومن لا يملك الولاية على نفسه لإدارة شؤونه المالية والشرعية، لا يمكنه شرعاً وقانوناً أن يتولاها على طفل يحتاج إلى توجيه ورعاية مستمرة.

2. القدرة على التربية والحفظ والرعاية: معيار الكفاءة الفعلي

هذا الشرط هو الأوسع نطاقاً، ويخضع لتقدير المحكمة بناءً على التقارير الاجتماعية. تشمل القدرة هنا ثلاثة أبعاد:

  • القدرة التربوية: امتلاك الحاضن للحد الأدنى من الوعي التربوي الذي يجنب الطفل الانحراف.

  • القدرة الرقابية: الالتزام بمتابعة التحصيل الدراسي للطفل وضمان حضوره في المؤسسات التعليمية.

  • الحفظ والرعاية: توفير المسكن الآمن، والغذاء الصحي، والبيئة التي تخلو من العنف أو الإهمال.

3. السلامة من الأمراض المعدية الخطيرة: حق الطفل في الصحة

أكد النظام السعودي أن حق الطفل في سلامة جسده مقدم على رغبة الأب أو الأم في الحضانة. إذا ثبت بتقارير طبية رسمية أن الحاضن يعاني من مرض معدٍ قد ينتقل للمحضون ويسبب له ضرراً دائماً، فإن مصلحة الطفل تقتضي انتقال الحضانة إلى الطرف الأحق التالي في الترتيب.


ثانياً: تحليل المادة السادسة والعشرون بعد المائة (الضوابط النوعية)

جاءت هذه المادة لتفصل في أحوال خاصة تتعلق بجنس الحاضن (ذكر أو أنثى)، مراعيةً الخصوصية الاجتماعية والشرعية للمجتمع السعودي:

1. حضانة المرأة وزواجها من أجنبي

لطالما كان زواج الأم يثير تساؤلات قانونية حول سقوط الحضانة. المادة 126 حسمت الأمر؛ فالأصل أن زواجها من رجل “أجنبي” عن المحضون (أي ليس محرماً له كالعم أو الخال) قد يسقط الحضانة، ولكن المنظم السعودي أضاف عبارة جوهرية: “ما لم تقتضِ مصلحة المحضون خلاف ذلك”.

  • تفسير المصلحة: إذا كانت الأم هي الأكثر قدرة على رعاية الطفل، وكان زوجها الجديد يتقبل الطفل ويوفر له بيئة كريمة، فللقاضي الإبقاء على الحضانة معها.

2. شروط حضانة الرجل: الحماية والخصوصية

عندما تؤول الحضانة للأب أو الجد أو الأخ، وضع النظام شرطين لضمان عدم ضياع حقوق الطفل:

  • الرحم المحرم: إذا كانت المحضونة أنثى، يجب أن يكون الحاضن محرماً لها منعاً لأي خلوة غير شرعية وحمايةً لخصوصية الفتاة عند البلوغ.

  • وجود نساء في بيت الحاضن: الرجل في الغالب ينشغل بطلب الرزق والعمل خارج المنزل، والطفل يحتاج إلى رعاية لصيقة (في المأكل، والمشرب، والنظافة، والشؤون الخاصة)، لذا وجب وجود امرأة (كالأم أو الأخت) تقوم بهذه المهام داخل منزل الحاضن.


ثالثاً: مصلحة المحضون هي البوصلة (المادة العاشرة)

أشارت المادة 125 بوضوح إلى ضرورة مراعاة المادة العاشرة. وهذا يعني أن الشروط ليست مجرد “أوراق رسمية”، بل هي أداة بيد القاضي ليقرر: “أين سيجد هذا الطفل مستقبله الأفضل؟”. إذا وجد القاضي أن بقاء الطفل مع طرف لا تتوفر فيه كافة الشروط الشكلية هو “أصلح” للطفل من نقله، فإن المصلحة هي التي ترجح.


رابعاً: الأسئلة الثلاثة الأهم حول نظام الحضانة الجديد

نظرًا لكثرة الاستفسارات التي تردنا، إليك أهم ثلاثة أسئلة يطرحها المجتمع السعودي حول المادتين 125 و126:

السؤال الأول: هل يسقط حق الأم في الحضانة بمجرد زواجها من أجنبي؟

  • الجواب: لا يسقط “تلقائياً” بالضرورة. النظام السعودي الجديد منح القاضي سلطة تقديرية واسعة. فإذا ثبت أن مصلحة الطفل في البقاء مع أمه (بسبب سنه الصغير أو ارتباطه النفسي الشديد بها) وأن الزوج الأجنبي صالح، فإن الحضانة تستمر مع الأم.

السؤال الثاني: ما المقصود بـ “القدرة على التربية” وكيف يثبتها القضاء؟

  • الجواب: تثبت القدرة من خلال “البحث الاجتماعي”. تقوم المحكمة أحياناً بندب خبراء اجتماعيين لزيارة سكن الحاضن، والتأكد من عدم وجود سوابق جنائية مخلة بالأمانة، والتأكد من استقرار الوضع المادي والسكني بما يكفل للطفل حياة كريمة.

السؤال الثالث: هل يمكن للأب المطالبة بالحضانة إذا لم يوجد نساء في منزله؟

  • الجواب: وفقاً للمادة 126، يشترط في الرجل الحاضن أن يقيم عنده من يصلح للحضانة من النساء. إذا كان الأب يعيش بمفرده تماماً ولا يوجد من يرعى شؤون الطفل الخاصة، فقد يُعتبر ذلك إخلالاً بشرط القدرة على الرعاية، مما يقوي موقف الطرف الآخر في طلب الحضانة.


خاتمة: الوعي القانوني استقرار للأسرة

إن نظام الأحوال الشخصية السعودي جاء ليحمي اللبنة الأولى في المجتمع وهي الأسرة. إن فهمك للمادتين 125 و126 يجنبك الكثير من العناء القضائي ويضمن لأبنائك الانتقال السلس والمستقر بين الحاضنين عند الحاجة.

💡 لا تدع حقوقك وحقوق أبنائك للمصادفة. ثقف نفسك بقراءة المقالات القانونية التالية ذات الصلة بالأنظمة السعودية:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *