بقلم: المحامي والمستشار القانوني يوسف الخضوري
يعد نظام المعاملات المدنية السعودي الجديد حجر الزاوية في تطوير البيئة التشريعية والقضائية في المملكة العربية السعودية، حيث استطاع تقنين القواعد الفقهية والاجتهادية ووضعها في إطار نصوص قانونية واضحة تتسم بالمرونة والدقة. ومن أدق الموضوعات التي تناولها النظام هي “المسؤولية عن فعل الغير”، وهي حالة استثنائية في القانون تخرج عن الأصل العام الذي يقضي بأن الإنسان مسؤول فقط عن أفعاله الشخصية. في هذا المقال، سنقوم بتشريح المادة التاسعة والعشرون بعد المائة (المادة 129) لنفهم كيف تترتب المسؤولية، وكيف يتم التعويض، وما هي حقوق الأطراف المعنية.
أولاً: فلسفة المسؤولية عن فعل الغير
في الفكر القانوني الحديث، لا تقتصر المسؤولية على من ارتكب الخطأ مباشرة، بل تمتد لتشمل من كان له حق الرقابة أو التوجيه. ويؤكد المحامي يوسف الخضوري أن الغاية من هذا التوسع هي حماية المتضرر؛ فغالباً ما يكون المخطئ الأصلي (كقاصر أو تابع بسيط) غير ملِيء مالياً (أي لا يملك المال الكافي للتعويض)، لذا أوجب النظام على “الرقيب” أو “المتبوع” تحمل هذه التبعة لضمان عدم ضياع حقوق الناس.
ثانياً: الفرع الثاني: المسؤولية عن فعل الغير (المادة 129)
تنص المادة التاسعة والعشرون بعد المائة من نظام المعاملات المدنية على قواعد جوهرية تقسم المسؤولية إلى نوعين رئيسيين:
1. مسؤولية متولي الرقابة (الرقابة الاتفاقية والقانونية)
نصت الفقرة الأولى من المادة (129) على أن: “من وجبت عليه نظامًا أو اتفاقًا أو قضاءً رقابة شخص لصغر سنِّه أو قصور حالته العقلية أو الجسمية؛ كان مسؤولًا عن الضرر الذي أحدثه ذلك الشخص”.
نطاق هذه المسؤولية:
-
مصدر الرقابة: قد تكون الرقابة ناتجة عن “النظام” (مثل ولاية الأب على ابنه الصغير)، أو “الاتفاق” (مثل تعاقد مدرسة أو مستشفى على رعاية مريض أو طالب)، أو “القضاء” (مثل تعيين حارس قضائي أو قيم على قاصر).
-
سبب الرقابة: حصرها النظام في ثلاث حالات: صغر السن، القصور العقلي، أو القصور الجسمي.
-
شرط الإعفاء من المسؤولية: لم يجعل النظام هذه المسؤولية مطلقة، بل سمح لمتولي الرقابة بدفعها إذا أثبت قيامه بواجب الرقابة بما ينبغي من العناية، أو أثبت أن الضرر كان سيحدث حتماً حتى لو قام بواجبه على أكمل وجه.
2. مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه (التبعية الوظيفية)
أما الفقرة الثانية من المادة (129) فتناولت العلاقة بين المتبوع والتابع، حيث نصت على: “يكون المتبوع مسؤولًا تجاه المتضرر عن الضرر الذي يحدثه تابعه بخطئه أثناء تأدية عمله أو بسبب هذا العمل، إذا كانت للمتبوع سلطة فعلية في رقابة التابع وتوجيهه ولو لم يكن المتبوع حرًّا في اختيار تابعه”.
عناصر المسؤولية هنا:
-
علاقة التبعية: تقوم على “السلطة الفعلية” في الرقابة والتوجيه. لا يشترط أن يكون صاحب العمل قد اختار العامل بنفسه، فالعبرة بمن له سلطة إصدار الأوامر والإشراف.
-
الارتباط بالعمل: يجب أن يقع الخطأ “أثناء” العمل أو “بسببه”. فإذا قام العامل بفعل ضار خارج أوقات العمل أو في موضوع لا علاقة له بمهامه، تنتفي مسؤولية المتبوع وتنتقل للتابع بصفته الشخصية.
ثالثاً: حقوق الرجوع والتعويض (الفقرة 3 من المادة 129)
عندما يقوم الرقيب أو المتبوع بدفع مبالغ التعويض للمتضرر، فإنه يحل محل المتضرر في مطالبة المخطئ الأصلي. فقد نص النظام على أنه: “لمن أدى التعويض عن الشخص الذي وقع منه الضرر في الحالتين المنصوص عليهما في الفقرتين (1) و(2) من هذه المادة حق الرجوع عليه في الحدود التي يكون فيها ذلك الشخص مسؤولًا عن تعويض الضرر”.
ويوضح المحامي يوسف الخضوري أن هذا الحق يمنع “الإثراء بلا سبب” للمخطئ الأصلي، ويضمن أن يتحمل الفاعل نتيجة فعله في نهاية المطاف إذا كان ميسوراً أو لديه دخل يمكن الحجز عليه.
رابعاً: القواعد والضوابط العملية لتقدير التعويض
في ضوء “التعويض في نظام المعاملات المدنية السعودي: القواعد والضوابط”، يخضع تقدير الضرر لعدة معايير يطبقها القضاء بناءً على ظروف كل واقعة:
-
الضرر المادي: ويشمل ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب.
-
الضرر المعنوي: وهو ما يصيب الشخص في شعوره أو كرامته، وهو ما أقره النظام بوضوح.
-
العلاقة السببية: يجب أن يكون الخطأ الصادر من التابع أو القاصر هو السبب المباشر في حدوث الضرر.
خامساً: نصائح قانونية من مكتب المحامي يوسف الخضوري
لضمان الحماية القانونية للمؤسسات والأفراد، ينصح المستشار القانوني يوسف الخضوري بالآتي:
-
لأصحاب العمل: ضرورة صياغة عقود عمل دقيقة تحدد نطاق التبعية والمهام الوظيفية بوضوح، مع التأمين على المسؤولية المدنية تجاه الأغيار.
-
لأولياء الأمور والمتولين للرقابة: الحرص على إثبات بذل “العناية الواجبة” في الرقابة، وتوثيق أي تدابير احترازية تُتخذ لمنع وقوع الأضرار.
-
للمتضررين: سرعة توثيق واقعة الضرر وإثبات علاقة التبعية أو الرقابة لضمان توجيه الدعوى القضائية ضد الطرف “الأقوى” مالياً لضمان تنفيذ الحكم.
“للمزيد من الفهم القانوني المتعمق حول حقوقكم والتزاماتكم، ندعوكم لدخول الروابط التالية وقراءة المقالات المتخصصة بقلم المحامي يوسف الخضوري:”
دليل شامل حول نظام المعاملات المدنية السعودي: المسؤولية عن الضرر الناجم عن الأشياء
التعويض في نظام المعاملات المدنية السعودي: القواعد والضوابط
المسؤولية عن الفعل الشخصي في نظام المعاملات المدنية السعودي: دراسة تأصيلية
المسؤولية الشخصية وأحكام التعويض في النظام السعودي الجديد
“ولمعرفة المزيد حول آليات تقدير الأضرار وحقوقك القانونية، يمكنك الاطلاع على صفحتنا المتخصصة عن التعويض عبر الدخول إلى الرابط التالي:
التعويض. في النظام السعودي. حمايه الحقوق وجبر الضرر.
الخاتمة
إن نظام المعاملات المدنية السعودي يمثل قفزة كبرى نحو استقرار الأحكام القضائية. والمادة 129، بما تضمنته من تفاصيل حول المسؤولية عن فعل الغير، توازن بين حق المتضرر في التعويض العادل وبين حماية الرقيب أو المتبوع الذي يبذل العناية الكافية.
إن فهم هذه القواعد والضوابط يتطلب دراية قانونية عميقة بمقاصد النظام وتطبيقاته القضائية، وهو ما نحرص على تقديمه لموكلينا لضمان صون حقوقهم وتحقيق العدالة الناجزة.
هل ترغب في أن أقوم بتحويل أجزاء من هذا المقال إلى نقاط محددة لوسائل التواصل الاجتماعي لنشر الوعي القانوني؟