المحامي يوسف الخضوري | استشارات قانونية

Legal & Corporate Gateway to the Gulf

المسؤولية الجنائية في جرائم النشر الإلكتروني والنعرات الطائفية: دراسة تحليلية في ضوء القضاء والتشريع العماني

المسؤولية الجنائية في النشر الإلكتروني

إعداد: المحامي / يوسف سالم محمد الخضوري

تشهد المنظومة القضائية في سلطنة عمان تعاملاً حازماً مع الجرائم المرتبطة بتقنية المعلومات واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي، سيما تلك التي تمس النسيج الاجتماعي، أو تروج لما يثير النعرات والفتن الدينية والمذهبية. وغالباً ما تثير هذه القضايا إشكاليات قانونية دقيقة تتعلق بتوافر القصد الجنائي (الركن المعنوي)، ومدى تأثير الحالة النفسية والعقلية للمتهم على مسؤوليته الجزائية، فضلاً عن دور الدفاع الاحترافي في استجلاء حقائق الأمور أمام محاكم الموضوع والمحكمة العليا. وعند مواجهة أي إشكاليات مرتبطة بهذه الإجراءات، قد يتطلب الأمر أحياناً اللجوء إلى القنوات الرسمية السليمة مثل تقديم شكوى النيابة العامة ومتابعة الأطر النظامية بدقة متناهية.

وفي هذا السياق، يؤكد المحامي يوسف سالم محمد الخضوري مراراً على الأهمية القصوى لصون حقوق المتهم وحمايته أثناء مراحل التحقيق والضبط الأولي، مشدداً على الالتزام التام بالضمانات القانونية والدستورية التي منحها المشرع العماني للمتهم، لضمان عدم إهدار حقوقه أو انتزاع أقواله تحت أي ضغط، وتوفير محاكمة منصفة ترتكز على سيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية.

أولاً: الإطار القانوني لجرائم النشر والمساس بالنسيج الاجتماعي

حرص المشرع العماني على حماية الوحدة الوطنية ومنع كل ما من شأنه بث الفرقة أو الكراهية بين أفراد المجتمع. وقد تجسد ذلك بوضوح في النصوص العقابية الصارمة في قانون الجزاء العماني، ومن أبرزها المادة (108) من قانون الجزاء التي تعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات كل من روج لما يثير النعرات أو الفتن الدينية أو المذهبية، أو أثار ما من شأنه الشعور بالكراهية أو البغضاء أو الفرقة بين سكان البلاد، أو حرض على ذلك.

إلى جانب ذلك، وعند ارتكاب هذه الأفعال عبر الوسائل التقنية الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي (مثل منصة “إكس”)، تتدخل المادة (19) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لتجريم استخدام الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات فيما ينطوي على المساس بالنظام العام أو القيم الدينية. وتفرض هذه النصوص عقوبات رادعة، مع جواز اتخاذ تدابير تكميلية كغلق الحسابات الإلكترونية بصفة دائمة ومصادرة أدوات الجريمة وفقاً للمادتين (32) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات و(57) من قانون الجزاء. ولإتمام المتابعات المرتبطة بتلك القرارات، يعتمد المتقاضون على الأنظمة الإلكترونية الحديثة مثل منصة قضاء تنفيذ ومختلف خدمات التنفيذ سلطنة عمان.

ثانياً: ركن العمد (الركن المعنوي) وضمانات التحقيق

تقوم الجرائم القصدية في الأساس على توافر ركنين أساسيين: ركن مادي يتمثل في السلوك الإجرامي المباشر (النشر والتغريد بعبارات مثيرة للفرقة)، وركن معنوي يتمثل في “العمد” وفقاً للمادة (33) من قانون الجزاء، والتي عرفته بأنه اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب الفعل المجرم بقصد إحداث نتيجة مباشرة أو قبول المخاطرة بها.

وفي هذا الإطار، يؤكد المحامي يوسف سالم محمد الخضوري على ضرورة التمسك بكافة الضمانات التي كفلها قانون الإجراءات الجزائية أثناء التحقيق الابتدائي ومرحلة جمع الاستدلالات؛ حيث يحق للمتهم الاستعانة بمحامٍ، وعدم جواز إكراهه على الاعتراف، وفحص أدلة الاتهام بموضوعية تامة. وفي كثير من قضايا النشر، قد يواجه المتهمون حجية “الاعتراف”، غير أن دور الدفاع يكمن في مراقبة سلامة ظروف هذا الاعتراف ومدى توافر القصد الخاص من عدمه، لضمان عدم تجزئة الإقوال أو تفسيرها خارج سياقها الصحيح.

ثالثاً: تأثير الاضطرابات النفسية (الشخصية الوسواسية) على المسؤولية الجزائية

من أبرز الدفوع التي تُثار في القضايا ذات الطابع الفكري والدفاعي، هي الدفوع المتعلقة بالأهلية النفسية والذهنية للمتهم وفق المادة (215) من قانون الإجراءات الجزائية. وغالباً ما تقرر المحاكم – بناءً على طلب الدفاع أو من تلقاء نفسها – إحالة المتهمين إلى الجهات الطبية المختصة كـ “مستشفى المسرة” (وحدة الطب النفسي الجنائي) لبيان مدى سلامتهم العقلية وإدراكهم وقت ارتكاب الفعل.

وعلمياً وقانونياً، يجب التفرقة الدقيقة بين المرض الذهني المانع للمسؤولية (كالجنون وفقدان الإدراك التام الذي يعفي صاحبه تماماً من العقاب)، وبين اضطرابات الشخصية (مثل اضطراب الشخصية الوسواسية أو القسرية). فالأخير لا يفقد الإدراك ولا ينفي المسؤولية الجزائية، غير أن التقارير الطبية قد توضح أن هذا الاضطراب يورث صاحبه نزعة للجدل المفرط والتصلب في الرأي دون إدراك لغرابتها عن ذاته. وهو ما تعامل به القضاء بإبقاء المسؤولية مع أخذ الحالة النفسية في الاعتبار عند تقدير الرأفة طبقاً للمادة (80) من قانون الجزاء. وفي سياق حماية الحقوق العامة وحقوق المستهلكين، قد يتقاطع أحياناً بحث الأفراد عن سبل الحماية القانونية مع قنوات أخرى شبيهة مثل إجراءات حماية المستهلك عمان وخطوات تقديم شكوى في حماية المستهلك لضمان تنظيم المعاملات وحماية المجتمع

رابعاً: احترافية الدفاع والطعن أمام المحكمة العليا

إن دور الوكيل القانوني والمحامي لا يقتصر على سرد الوقائع أمام محاكم الموضوع، بل يمتد لتقديم طعن محكم أمام الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا وفقاً للمواد (245) إلى (249) من قانون الإجراءات الجزائية. وقد تميزت وجوه الطعن المقدمة بالتركيز على محاور جوهرية عدة:

  1. الخطأ في تطبيق القانون وانتفاء القصد الخاص: محاولة إثبات خلو الأوراق من نية المساس بالصالح العام أو إثارة النعرات بالمعنى المفهوم جنائياً، واعتبار ما حدث مندرجاً في سياق النقاش الفكري أو الردود الشخصية.

  2. الدفوع الإجرائية وحق الدفاع: التمسك ببطلان بعض إجراءات التقاضي في حال عدم تمكين الدفاع كلياً من مناقشة التقارير الطبية النفسية المفصلة أو الاطلاع على كافة محتويات التغريدات المحجوبة من النظام، باعتبار أن حق الدفاع مكفول دستورياً بموجب المادة (27) من النظام الأساسي للدولة لضمان محاكمة عادلة.

  3. طلب الرأفة والنزول بالعقوبة: استغلال سلطة محاكم الموضوع التقديرية في النزول بالعقوبة إلى الحد الأدنى مستندة إلى ظروف المتهم وملابساته الشخصية والنفسية

الخاتمة

إن التعامل القضائي مع جرائم النشر وتقنية المعلومات يوازن بدقة بالغة بين حماية الأمن الوطني والنسيج الاجتماعي من جهة، وبين كفالة الضمانات القانونية وحق الدفاع للمتهمين من جهة أخرى. وهنا يجدد المחامي يوسف سالم محمد الخضوري التأكيد على أن التمسك بالضمانات القانونية وحماية حقوق المتهمين منذ اللحظات الأولى للتحقيق يمثل حجر الزاوية لترسيخ العدالة الناجزة وبناء مجتمع تسوده سيادة القانون وحفظ الحقوق.

 

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *