
بقلم/ المحامي يوسف الخضوري تشهد العقود الأخيرة تحولات اجتماعية متسارعة في المجتمعات الخليجية بصفة عامة، وفي سلطنة عمان بصفة خاصة....
المحامي يوسف الخضوري | استشارات قانونية

بصفتي المحامي والمحكم يوسف الخضوري، أرى أن مبدأ الاشتراك الجنائي يُعد من أعقد وأدق المسائل في القانون الجنائي العُماني. إن فهم أركانه وشروطه الأساسية هو مفتاح تطبيق العدالة، لضمان معاقبة الجناة الفعليين وحماية الأبرياء. يُسلط الطعن رقم ٥٩١ / ٢٠١٩م الضوء على هذه الأركان بشكل جلي، مؤكدًا أن مجرد العلم بوقوع الجريمة لا يكفي وحده لاعتبار الشخص مشتركًا فيها جنائيًا. فالقانون يتطلب إسهامًا فعالًا ومساهمة جنائية تبعية، تُترجم إلى تحريض، أو مساعدة، أو اتفاق مع الجناة. هذه الأشكال من الاشتراك ليست مجرد أفعال عارضة، بل تتطلب توافقًا صريحًا وواضحًا للإرادات على ارتكاب الجريمة.
تُعد أركان الاشتراك الجنائي بمثابة العناصر الجوهرية التي يجب توافرها حتى يمكن إسناد المسؤولية الجنائية للشريك. هذه الأركان لا تقتصر على النية، بل تتجاوزها لتشمل فعلًا ماديًا ملموسًا يُساهم في إتمام الجريمة:
التحريض: يُعرف التحريض بأنه دفع أو تشجيع شخص آخر على ارتكاب الجريمة. هو ليس مجرد إبداء رأي أو تقديم نصيحة عامة، بل يتضمن فعلًا إيجابيًا يهدف إلى غرس فكرة الجريمة في ذهن الفاعل الأصلي، أو تقوية عزيمته إذا كانت الفكرة قائمة لديه بالفعل. يجب أن يكون هذا التحريض فعالًا ومؤثرًا، بمعنى أن يكون هو الدافع وراء ارتكاب الجريمة. في التحكيم الجنائي، يُواجه المحكم تحديًا في التمييز بين مجرد “الحديث عن الجريمة” و”التحريض الفعلي” عليها، مما يتطلب تحليلًا دقيقًا للأدلة وظروف الواقعة.
المساعدة: تتضمن المساعدة تقديم العون أو الوسائل اللازمة لارتكاب الجريمة. يمكن أن تكون هذه المساعدة مادية، مثل توفير سلاح أو وسيلة نقل، أو معنوية، مثل تقديم معلومات حيوية أو وضع خطة تنفيذ. الأهم في المساعدة هو أنها تُقدم “قبل” أو “أثناء” ارتكاب الجريمة، وتكون ذات تأثير مباشر في تسهيل ارتكابها. يجب أن تكون المساعدة مقصودة، أي أن الشريك يعلم أن مساعدته ستُستخدم في ارتكاب الجريمة. هنا تبرز أهمية التمييز بين المساعدة الإيجابية والسلبية، فالمساعدة السلبية (الامتناع عن فعل شيء كان من شأنه منع الجريمة) لا تُعد اشتراكًا إلا في حالات استثنائية يفرضها القانون.
الاتفاق: يشمل الاتفاق التفاهم المسبق بين الأطراف على تنفيذ الجريمة. هذا العنصر يُشير إلى “التآمر” أو “الاجتماع الجنائي” بين الجناة. لا يُشترط أن يكون الاتفاق مكتوبًا أو رسميًا، بل يكفي أن يكون هناك توافق في الإرادات على ارتكاب الجريمة. يُمكن أن يكون الاتفاق صريحًا أو ضمنيًا، ويُستدل عليه من خلال تصرفات الأطراف قبل وأثناء وبعد الجريمة. يُمثل الاتفاق عنصرًا جوهريًا في الجرائم التي تتطلب تعدد الجناة، مثل التشكيلات الإجرامية، ويُعزز من المسؤولية الجنائية لجميع المشاركين فيه.
يُعد الشرط الأساسي لإسناد المسؤولية عن الاشتراك الجنائي هو وجود علاقة سببية واضحة بين نشاط الشريك ووقوع الجريمة. بعبارة أخرى، يجب أن تكون الجريمة نتيجة مباشرة لهذا الاشتراك. هذا الشرط ليس مجرد تفصيل قانوني، بل هو مبدأ جوهري يُجسد العدالة الجنائية. يُشدد القانون الجزائي العُماني على ضرورة وجود هذه العلاقة السببية من خلال النص عليها صراحة في المادة (۳۸) من قانون الجزاء العُماني.
حرص المشرع العُماني في المادة (۳۸) من قانون الجزاء العُماني على التأكيد على أهمية العلاقة السببية بين مساهمة الشريك ووقوع الجريمة. هذه المادة تُشكل صمام أمان قانوني يُساهم في تطبيق العدالة بشكل دقيق.
تنص المادة (۳۸) من قانون الجزاء العُماني على ما يلي: “يُعد فاعلًا أصليًا كل من ارتكب الجريمة وحده أو بالاشتراك مع غيره، وكل من حرض على ارتكاب الجريمة إذا ترتب على تحريضه ارتكابها، وكل من تدخل في ارتكاب الجريمة بتقديم مساعدة مباشرة أو غير مباشرة لتسهيل ارتكابها أو إتمامها”.
من هذا النص، يتضح أن المشرع ربط المسؤولية الجنائية للشريك بشكل قاطع بترتب الجريمة على فعله، سواء كان تحريضًا أو مساعدة. وهذا يجعل من الضروري وجود دليل لا يقبل الشك على أن النشاط الذي قام به الشريك كان له تأثير مباشر وحاسم في ارتكاب الجريمة. على سبيل المثال، إذا قام شخص بتحريض آخر على السرقة، ولكن الشخص الآخر لم يرتكب السرقة بسبب هذا التحريض، فلا يمكن إسناد جريمة السرقة إلى المحرض. يجب أن تكون الجريمة قد وقعت فعليًا نتيجة لذلك التحريض أو المساعدة.
بصفتي محاميًا ومحكمًا، أؤكد أن تطبيق مبدأ المادة (۳۸) من قانون الجزاء العُماني يتطلب دقة شديدة في التحقيق والتقييم. لا يكفي مجرد الاشتباه أو التخمين، بل يجب أن تُبنى الإدانة على أدلة قوية ومباشرة تُثبت العلاقة السببية. في قضايا التحكيم الجنائي، غالبًا ما أجد نفسي أمام تحدي التمييز بين المساهمة الفاعلة والمجردة من التأثير، أو بين العلم بالجريمة والاشتراك فيها. هذا يتطلب:
تحليل الأدلة بعمق: يجب فحص كل دليل بعناية لبيان ما إذا كان يُشير إلى مساهمة فعلية أدت إلى وقوع الجريمة.
التفريق بين النية والفعل: النية الإجرامية (القصد الجنائي) وحدها لا تكفي. يجب أن تقترن بفعل مادي يُساهم في الجريمة.
تحديد مدى التأثير: يجب تقدير مدى تأثير فعل الشريك على وقوع الجريمة. فهل كان فعله ضروريًا لارتكاب الجريمة، أم كان مجرد إضافة هامشية؟
التمييز بين الشريك والفاعل الأصلي: على الرغم من أن القانون يُعامل الشريك في بعض الحالات معاملة الفاعل الأصلي من حيث العقوبة، إلا أن التمييز بينهما من حيث طبيعة الدور الفعلية يُعد ضروريًا لتطبيق النص القانوني بشكل صحيح.
بذلك، يضمن القانون معاقبة كل من ساهم بفعالية في الجريمة، من خلال أفعاله التي أحدثت تأثيرًا مباشرًا على وقوعها، مع حماية الأفراد الذين لم يكن لهم دور مباشر أو تأثير على وقوعها، وهو ما يُجسد مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” و “المسؤولية شخصية”. هذا النهج يُعزز من ثقة الأفراد في النظام القضائي ويُساهم في تحقيق العدالة الجنائية بمفهومها الشامل.

بقلم/ المحامي يوسف الخضوري تشهد العقود الأخيرة تحولات اجتماعية متسارعة في المجتمعات الخليجية بصفة عامة، وفي سلطنة عمان بصفة خاصة....

بقلم: المحامي يوسف الخضوري إن صدور حكم قضائي نهائي بات لصالحك لا يمثل خط النهاية في مسيرتك القانونية، بل هو...

بقلم: المحامي يوسف الخضوري تعد جريمة إساءة الأمانة، أو ما يُعرف في الفقه القانوني بخيانة الأمانة، واحدة من أكثر الجرائم...
في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها السوق العماني، تزداد أهمية معرفة الحقوق القانونية للمستهلك وكيفية حمايتها. تُعتبر هيئة حماية المستهلك...

بقلم: المحامي يوسف الخضوري مقدمة: الواقعة المشهودة وأبعادها القانونية والتجارية ضجت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً بخبر قيام هيئة حماية المستهلك...

مقدمة: يشهد السوق العماني طفرة اقتصادية وتجارية متسارعة، ومع هذا النمو تزداد الحاجة إلى ضبط العلاقة بين المزود (التاجر أو...

مقدمة يشهد قطاع الخدمات والصالونات ومراكز التجميل الفاخرة في سلطنة عمان ودول مجلس التعاون الخليجي تحولاً رقمياً متسارعاً؛ حيث أصبحت...

بقلم: المحامي يوسف الخضوري تُشكل المسؤولية التقصيرية أو “المسؤولية عن الفعل الضار” أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها الأنظمة القانونية...

مقدمة: يُشكل قطاع التجارة والاستثمار عصب الاقتصاد الوطني في سلطنة عمان، ولضمان استقرار هذا القطاع ونموه، أوجد المشرع العماني بيئة...
Hi, I'm interested in UK Digital Arbitration
Any questions related to الطعن رقم ٥٩١ / ٢٠١٩م: تحليل قانوني معمق في أركان الاشتراك الجنائي?
WhatsApp Us
🟢 Online | Privacy policy
استشارة قانونية | Legal Inquiry