المحامي يوسف الخضوري | استشارات قانونية

أركان العقد وآليات انعقاده في قانون المعاملات المدنية

بقلم المحامي والمستشار القانوني: يوسف الخضوري

يعتبر العقد الركيزة الأساسية في تنظيم العلاقات المالية والاجتماعية بين الأفراد، فهو “شريعة المتعاقدين” والمصدر الأول للالتزامات الإرادية. وفي ظل التطور الاقتصادي المتسارع، بات من الضروري فهم القواعد القانونية التي تحكم نشأة هذا العقد لضمان استقرار المعاملات وحماية الحقوق. سنلقي الضوء في هذا المقال على ماهية انعقاد العقد وفقاً لما نصت عليه المواد (69، 70، 71) من قانون المعاملات المدنية.

أولاً: مفهوم انعقاد العقد (الركن الأساسي)

وفقاً لنص المادة (69)، ينعقد العقد بمجرد ارتباط “الإيجاب” بـ “القبول”. هذا الارتباط ليس مجرد تلاقي كلمات، بل هو توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني معين.

1. الإيجاب (ما صدر أولاً)

الإيجاب هو العرض الذي يتقدم به شخص (الموجب) إلى شخص آخر (الموجب له)، يعبر فيه عن رغبته الأكيدة في التعاقد وفق شروط محددة. لكي يكون الإيجاب معتبراً قانوناً، يجب أن يكون باتاً ومضمناً للعناصر الأساسية للعقد المراد إبرامه.

2. القبول (ما صدر ثانياً)

القبول هو الرد الذي يصدر ممن وجه إليه الإيجاب، معلناً فيه موافقته التامة على العرض. ويشترط في القبول لكي يولد العقد أن يكون مطابقاً تماماً للإيجاب؛ فإذا اقترن القبول بما يزيد في الإيجاب أو يقيد منه أو يعدل فيه، اعتبر ذلك “رفضاً يتضمن إيجاباً جديداً”.


ثانياً: وسائل التعبير عن الإرادة (المادة 70)

الأصل في القانون هو “مبدأ الرضائية”، أي أن الإرادة هي التي تنشئ العقد، ولم يقيد القانون المتعاقدين بشكل محدد للتعبير عن هذه الإرادة إلا في حالات استثنائية (العقود الشكلية). وقد فصلت المادة (70) هذه الوسائل كما يلي:

  1. الكلام: وهو الوسيلة الأصلية والأكثر شيوعاً في المعاملات اليومية البسيطة.

  2. الكتابة: وتعد أقوى وسائل الإثبات، سواء كانت رسمية أو عرفية.

  3. الإشارة المتداولة عرفاً: مثل إيماءة الرأس التي تفيد الموافقة في بعض المهن أو البيئات التجارية، شريطة أن تكون واضحة الدلالة.

  4. اتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته: ويسمى “التعبير الضمني”، مثل عرض السلع في المتجر مع وضع أثمان عليها، فهو إيجاب صريح، وشراء الزبون لها هو قبول ضمني من خلال فعل الشراء.


ثالثاً: الصيغة الزمنية للتعاقد (المادة 71)

حرص المشرع في المادة (71) على ضبط الصيغ اللغوية المستخدمة لضمان جدية التعاقد، وأوضح الآتي:

  • صيغة الماضي: هي الأصل في التعاقد (مثل: بعتُ، اشتريتُ، قبلتُ)، لأنها تدل على القطع بوقوع الرضا في الحال.

  • صيغة المضارع أو الأمر: لا ينعقد بها العقد إلا إذا أريد بها “الحال” (أي الزمن الحاضر). فإذا قال الطرفان “أبيعك” وقصدوا بها إتمام الصفقة الآن، انعقد العقد. أما إذا كانت تحمل معنى الوعد المستقبلي (سأبيعك مستقبلاً)، فلا ينعقد بها العقد في الحال بل تظل في إطار الوعد.


رابعاً: أركان العقد وشروط صحته

إلى جانب الانعقاد (التراضي)، لابد من توافر أركان أخرى ليكون العقد صحيحاً ومنتجاً لآثاره:

1. المحل (موضوع العقد)

يجب أن يكون محل الالتزام موجوداً، ممكناً، معيناً أو قابلاً للتعيين، ومما يجوز التعامل فيه قانوناً (غير مخالف للنظام العام أو الآداب).

2. السبب (الباعث على التعاقد)

يجب أن يكون للعقد سبب مشروع يبرر الالتزام، فالعقود التي تقوم على أسباب غير مشروعة تعتبر باطلة بطلاناً مطلقاً.

3. الأهلية

يجب أن يتمتع المتعاقدان بالأهلية القانونية اللازمة لإبرام العقد، أي بلوغ سن الرشد (18 سنة ميلادية) مع سلامة القوى العقلية، وخلو الإرادة من العيوب (الغلط، الإكراه، التغرير مع الغبن، والاستغلال).

 

عزيزي القارئ.. للاطلاع على سلسلة المقالات القانونية التخصصية في شرح قانون المعاملات المدنية العماني، والتي يقدمها المحامي والمستشار القانوني يوسف الخضوري، يسعدنا انضمامكم ومتابعتكم عبر الروابط الرسمية الموضحة أدناه.

نحرص من خلال هذه المقالات على تبسيط المفاهيم القانونية، مثل:


خاتمة وتوصية قانونية

إن صياغة العقود وفهم آليات انعقادها ليست مجرد إجراءات شكلية، بل هي ضمانة قانونية تحمي الأطراف من النزاعات المستقبلية. إن وعي المتعاقد بما يصدر عنه من إيجاب أو قبول، واختياره للوسيلة المناسبة للتعبير عن إرادته، يجنبه الوقوع في “فخ” العقود الباطلة أو الناقصة.

ونحن دائماً نؤكد على أهمية استشارة المختصين قبل التوقيع على أي وثيقة قانونية لضمان توافقها مع أحكام قانون المعاملات المدنية وحفظاً للمراكز القانونية.

المحامي والمستشار القانوني

يوسف الخضوري

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *