المحامي يوسف الخضوري | استشارات قانونية

العقد الباطل في قانون المعاملات المدنية العماني: دراسة تحليلية

 

مقدمة

يُعد العقد الأداة القانونية الأبرز لتداول الأموال والحقوق بين الأفراد، ولكي ينتج هذا العقد آثاره التي أرادها الأطراف، لا بد أن يستوفي أركانه وشروط صحته التي حددها المشرع. إلا أنه في حالات معينة، يولد العقد ميتاً أو “باطلاً”، وهو ما يعرف بالعقد الباطل بطلاناً مطلقاً. وقد نظم المشرع العماني هذه الحالة في المواد (125) و(126) من قانون المعاملات المدنية، واضعاً ضوابط صارمة تهدف إلى حماية النظام العام وتحقيق العدالة.

أولاً: تعريف العقد الباطل وعناصره (المادة 125/1)

نصت المادة (125) في فقرتها الأولى على أن: “العقد الباطل هو العقد غير المشروع لا بأصله ولا بوصفه بأن اختل ركنه أو محله أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده.”

من هذا النص نستنتج أن البطلان في القانون العماني يرتبط بفقدان العقد لأحد مقومات وجوده الأساسية:

  1. الاختلال في الأصل (الركن): مثل غياب الرضا (كانعدام الإرادة لدى المجنون) أو انعدام السبب.

  2. الاختلال في المحل: إذا كان محل التعاقد مستحيلاً، أو غير موجود، أو غير مشروع (مثل التعاقد على مواد محظورة قانوناً).

  3. الاختلال في الشكل: بعض العقود يشترط فيها القانون العماني “الرسمية” أو شكلاً معيناً (كعقود بيع العقارات التي يجب تسجيلها في أمانة السجل العقاري)، فإذا لم يستوفِ العقد هذا الشكل، يقع باطلاً بطلاناً مطلقاً.

ثانياً: الخصائص القانونية للعقد الباطل (المادة 125/3)

وضعت المادة (125) في فقرتها الثالثة القواعد الجوهرية التي تميز العقد الباطل عن غيره، وهي:

  • انعدام الأثر القانوني: العقد الباطل لا يولد أي حق ولا يفرض أي التزام. فهو والعدم سواء من الناحية القانونية.

  • عدم القابلية للإجازة: لا يمكن “تصحيح” العقد الباطل. حتى لو وافق الأطراف لاحقاً على استمراره، يظل باطلاً لأن العيب في أصله لا في وصفه.

  • حق التمسك بالبطلان: لكل ذي مصلحة (سواء كان طرفاً في العقد أو غيراً تضرر منه) أن يطالب بالبطلان.

  • دور المحكمة: نظراً لارتباط البطلان المطلق بالنظام العام، يحق للقاضي العماني أن يقضي بالبطلان من تلقاء نفسه حتى لو لم يطلبه الخصوم.

ثالثاً: سقوط دعوى البطلان (المادة 125/2)

رغم أن العقد الباطل لا يصح بالتقادم، إلا أن المشرع العماني وضع حداً زمنياً للمطالبة القضائية حفاظاً على استقرار المراكز القانونية، حيث نصت المادة (125/2) على: “لا تسمع دعوى البطلان بعد مضي خمس عشرة سنة من تاريخ إبرام العقد.”

وهنا يجب التفريق بين “صحة العقد” وبين “سماع الدعوى”؛ فالعقد يظل باطلاً، ولكن القضاء يمتنع عن نظر الدعوى بعد مرور هذه المدة الطويلة.

رابعاً: نظرية انتقاص العقد (المادة 126)

أورد المشرع العماني حلاً وسطاً في حال كان البطلان جزئياً، حيث نصت المادة (126) على: “إذا كان العقد في شق منه باطلا بطل العقد كله إلا إذا كانت حصة كل شق معينة فإنه يبطل في الشق الباطل ويبقى صحيحا في الباقي.”

هذا النص يكرس مبدأ “انتقاص العقد”، ويتم تطبيقه وفق شرطين:

  1. قابلية العقد للتجزئة: أن يكون الجزء الباطل منفصلاً عن الجزء الصحيح (مثلاً عقد بيع لسيارتين، إحداهما مشروعة والأخرى محظورة).

  2. استقلالية الشق: إذا كانت حصة كل شق محددة، فإن المحكمة تبطل الجزء المخالف للقانون وتبقي على الجزء الصحيح رعايةً لإرادة المتعاقدين، ما لم يكن الجزء الباطل هو الدافع الأساسي للتعاقد.

خامساً: الآثار المترتبة على إبطال العقد

عندما تقضي المحكمة ببطلان العقد، يجب إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد (مبدأ الاسترداد). فإذا كان المشتري قد دفع ثمناً يسترد ماله، وإذا كان البائع قد سلم عيناً يسترد ملكه. فإذا استحال الرد (كما في عقود العمل أو الإيجار التي نفذت جزئياً)، يجوز للقاضي الحكم بتعويض عادل.

“لإحاطة شاملة بالموضوع من كافة جوانبه القانونية، ندعوكم للاطلاع على مقالاتنا ذات الصلة:”

لأن القانون وحدة لا تتجزأ، وبعد حديثنا عن العقد الباطل، ندعوكم لاستكمال الفائدة عبر قراءة مقالنا المفصل حول أحكام التعويض في القانون العماني من خلال الرابط التالي..

كيف تحصل على التعويض عن الضرر في القانون العماني: دليل شامل

الفعل الضار وأركان المسؤولية التقصيرية: تحليل قانوني للمادة (176) من القانون المدني

شرح المادة 118 و119: التعاقد على المستقبل في القانون العماني

أركان العقد وآليات انعقاده في قانون المعاملات المدنية

خاتمة

لقد نجح المشرع العماني من خلال المواد (125) و(126) في إيجاد توازن دقيق بين صرامة القانون في حماية النظام العام (عبر البطلان المطلق) وبين مرونة التعاملات (عبر نظرية انتقاص العقد). وبصفتك قانونياً يا أستاذ يوسف، تدرك أن فهم هذه المواد هو حجر الزاوية في صياغة العقود وتجنب المنازعات المستقبلية التي قد تؤدي إلى انهيار المراكز القانونية للأطراف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *