قراءة تحليلية في المادة الثالثة
بقلم المحامي والمستشار القانوني: يوسف الخضوري
في ظل الطفرة الرقمية الهائلة التي تعيشها المملكة العربية السعودية، وتغلغل وسائل التواصل الاجتماعي في أدق تفاصيل حياتنا اليومية، برزت الحاجة الماسة إلى إطار قانوني حازم يحمي الأفراد من التجاوزات الرقمية. ويعد نظام مكافحة جرائم المعلوماتية الدرع الواقي الذي يضمن الاستخدام الآمن للتقنية، وتعتبر المادة الثالثة منه حجر الزاوية في حماية الخصوصية وصون الكرامة الإنسانية من العبث الرقمي.
أولاً: فلسفة العقوبة في المادة الثالثة
نصت المادة الثالثة بوضوح على عقوبات رادعة تشمل السجن لمدة لا تزيد على سنة، وغرامة مالية تصل إلى 500 ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين. هذه الصرامة تعكس حرص المشرع السعودي على إيجاد بيئة رقمية نظيفة، حيث لا يُسمح بأن تكون خلف الشاشات وسيلة للإساءة أو الابتزاز بعيداً عن أعين العدالة.
ثانياً: تفصيل الجرائم المعلوماتية الخمس الواردة في المادة
لقد حددت المادة خمس صور من الجرائم التي تكرس حماية الفرد والمجتمع:
1. جريمة التنصت والاعتراض الرقمي
تحظر المادة أي محاولة للتنصت على ما هو مرسل عبر الشبكات المعلوماتية أو اعتراضه دون مسوغ نظامي. هذا النص يحمي سرية المراسلات والبيانات الشخصية من التجسس، سواء كان ذلك عبر اختراق الحسابات أو اعتراض موجات الاتصال، مما يعزز الثقة في التعاملات الرقمية.
2. الدخول غير المشروع للتهديد والابتزاز
يعد الابتزاز من أخطر الجرائم التي تهدد السلم الاجتماعي. جرم النظام الدخول غير المشروع بقصد تهديد شخص لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه. واللافت هنا أن النظام يحاسب المبتز حتى لو كان الفعل الذي يطلبه مشروعاً؛ فوسيلة التهديد بحد ذاتها كافية لإيقاع العقوبة.
3. الاعتداء على المواقع الإلكترونية
لم يغفل النظام حماية الملكية الرقمية، فجرم الدخول غير المشروع للمواقع الإلكترونية بقصد تخريبها، أو تغيير تصاميمها، أو إتلافها. هذا يحمي أصحاب المؤسسات والأفراد من القرصنة الإلكترونية التي تهدف إلى تشويه السمعة أو التعطيل التقني.
4. المساس بالحياة الخاصة (إساءة استخدام الكاميرا)
نظراً لخصوصية المجتمع السعودي وقيمه المحافظة، شدد النظام على عقوبة المساس بالحياة الخاصة عبر الهواتف المزودة بالكاميرا. تصوير الآخرين دون إذنهم في أماكن خاصة، أو نشر صورهم بقصد الإساءة، يعد جريمة مكتملة الأركان تستوجب العقوبة المغلظة.
5. التشهير وإلحاق الضرر بالغير
التشهير هو محاولة النيل من سمعة الآخرين ونشر أخبار أو صور تسيء إليهم عبر وسائل التقنية. وهنا نؤكد من واقع ممارستنا القانونية أن “إعادة التغريد” أو “نشر رسائل مسيئة” في مجموعات الواتساب قد يضع الشخص تحت طائلة هذه المادة، فالحذر واجب في تداول المحتوى.
ثالثاً: الأبعاد الاجتماعية والتربوية للقانون
من منطلق دورنا كمستشارين قانونيين، نرى أن هذا النظام لا يهدف للعقوبة فحسب، بل هو أداة تربوية. إن الوعي بالمادة الثالثة يساهم في:
-
حماية النسيج الأسري: من خلال ردع المبتزين الذين يستهدفون استقرار الأسر.
-
تعزيز الأدب الرقمي: الحث على التواصل الراقي والابتعاد عن لغة السب والتشهير.
-
الأمن النفسي: شعور الفرد بأن خصوصيته محمية بقوة النظام يجعله أكثر طمأنينة في استخدام التقنية.
رابعاً: كيف تحمي نفسك نظاماً؟ (توصيات مكتب المستشار يوسف الخضوري)
لكل من يتعرض لإساءة أو اختراق أو تشهير، ننصح باتباع الخطوات التالية:
-
عدم الانجرار للرد: لا ترد على الإساءة بإساءة مماثلة لكي لا تفقد حقك القانوني.
-
التوثيق الفوري: قم بتصوير المحتوى المسيء (Screenshot) مع توثيق وقت وتاريخ النشر والرابط إن أمكن.
-
إبلاغ الجهات المختصة: عبر تطبيق “كلنا أمن” التابع لوزارة الداخلية، حيث يتم التعامل مع البلاغات بسرية تامة واحترافية عالية.
يسرنا دعوتكم للاطلاع على أحدث القراءات القانونية التخصصية التي تسلط الضوء على جوانب هامة لتعزيز الوعي القانوني وحماية حقوقكم في الفضاء الرقمي والواقعي.
شرح المادة الثالثة من نظام جرائم المعلوماتية
الحماية النظامية من الجرائم الرقمية: قراءة تحليلية في المادتين الثالثة والرابعة
الحماية النظامية للحقوق المالية والبنية المعلوماتية: قراءة في المادتين (4) و (5)
خاتمة
إن نظام مكافحة جرائم المعلوماتية، وتحديداً المادة الثالثة منه، يمثل توازناً دقيقاً بين حريات الأفراد في استخدام التقنية وبين حق المجتمع في الحماية. وإننا في مكتب المستشار يوسف الخضوري نؤمن بأن الوعي القانوني هو الخطوة الأولى للوقاية من هذه الجرائم. فلنجعل من تعاملاتنا الرقمية مرآة لأخلاقنا وقيمنا، ملتزمين بالأنظمة والقوانين التي وضعت لسلامتنا جميعاً.
المستشار القانوني
يوسف الخضوري