المحامي يوسف الخضوري | استشارات قانونية

المسؤولية عن الفعل الضار في نظام المعاملات المدنية السعودي: تحليل المادة 120 وحقوق التعويض

 

مقدمة: عهد جديد للعدالة الناجزة

يُعد صدور نظام المعاملات المدنية السعودي نقطة تحول جوهرية في البيئة القانونية للمملكة، حيث انتقل بالقواعد الفقهية من حيز الاجتهاد المفتوح إلى نصوص تشريعية منضبطة. ومن أبرز ما جاء به هذا النظام هو تنظيم أحكام “الفعل الضار”، وهو ما يُعرف في القوانين الأخرى بالمسؤولية التقصيرية. في هذا المقال، نسلط الضوء على المادة العشرين بعد المائة (120)، والتي تعتبر القاعدة الذهبية لجبر الأضرار في النظام السعودي.


أولاً: شرح نص المادة 120 ومفهوم “الخطأ”

تنص المادة 120 بصيغة قاطعة على أن: “كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض”.

هذا النص يضع المبدأ العام الذي تقوم عليه المسؤولية المدنية. فالحق في التعويض لا ينشأ من فراغ، بل يستلزم وجود “انحراف” في السلوك عما يفعله الشخص المعتاد في ذات الظروف. سواء كان هذا الانحراف متعمداً (قصد الإضرار) أو نتيجة إهمال وعدم احتراز (خطأ غير عمدي).

لماذا تهمنا هذه المادة في قطاع الخدمات واللوجستيات؟

في أعمال مثل تأجير المعدات الثقيلة أو النقل، قد تقع أخطاء مهنية تؤدي لتلف الممتلكات أو تأخير المشاريع. هنا يأتي دور المادة 120 لتحديد المسؤول عن جبر هذا الضرر.


ثانياً: أركان المسؤولية المدنية الثلاثة

لا يكفي وقوع الفعل الضار للمطالبة بالتعويض، بل يجب اكتمال الأركان التالية أمام القضاء:

  1. ركن الخطأ: وهو الإخلال بالتزام قانوني أو مهني. فالمقاول الذي يخالف اشتراطات السلامة يرتكب خطأً قانونياً.

  2. ركن الضرر: وهو الأذى المادي أو المعنوي الذي لحق بالمتضرر. ويجب أن يكون الضرر “محققاً”، أي وقع بالفعل أو سيقع حتماً.

  3. العلاقة السببية: وهي الرابطة التي تؤكد أن هذا الضرر تحديداً هو “نتيجة مباشرة” لذلك الخطأ. فإذا كان الضرر ناتجاً عن “قوة قاهرة” (كعاصفة غير متوقعة)، فإن المسؤولية قد تنتفي.


ثالثاً: التطور في مفهوم الضرر (الضرر المادي والأدبي)

من أجمل ما ميز النظام السعودي الجديد هو الوضوح في مسألة الضرر الأدبي (المعنوي). في السابق، كان التعويض يركز غالباً على الخسائر المادية الملموسة. أما الآن، فقد أقرت المادة (138) حق الشخص في التعويض عن الآلام النفسية أو المساس بسمعته أو كرامته.

  • الخسارة اللاحقة والكسب الفائت: يشمل التعويض المادي ما خسره المتضرر فعلياً (مثل كلفة إصلاح شاحنة) وما فاته من ربح محقق (مثل تعطل عقد إيجار كان سيوفر له دخلاً).


رابعاً: معايير تقدير التعويض في القضاء السعودي

أوكل النظام للقاضي سلطة تقدير قيمة التعويض بما يجبر الضرر تماماً دون زيادة أو نقصان (مبدأ جبر الضرر). ويراعى في ذلك:

  • مدى جسامة الخطأ.

  • الظروف التي أحاطت بالمتضرر.

  • إمكانية إعادة الحال إلى ما كانت عليه بدلاً من التعويض النقدي.

ويمكنك الاطلاع على تفاصيل أوسع حول الأنظمة القضائية عبر زيارة بوابة ناجز الرسمية التابعة لوزارة العدل السعودية، والتي توفر مرجعاً شاملاً للأنظمة.


خامساً: حماية المستهلك وعلاقتها بالمسؤولية المدنية

بالنظر إلى اهتمامات الجمهور في سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، نجد تقاطعاً كبيراً بين “الفعل الضار” وقوانين حماية المستهلك. فتقديم خدمة معيبة أو منتج ضار يندرج تحت المادة 120 من المعاملات المدنية، وبذات الوقت يخضع لرقابة هيئات حماية المستهلك.

في عمان، تلعب هيئة حماية المستهلك دوراً حيوياً في ضبط الأسواق، وهو ما يتقاطع مع القواعد القانونية التي نطبقها في مكاتب المحاماة لحماية حقوق الموكلين من التعسف أو الإهمال المهني.


سادساً: نصائح قانونية لتجنب المسؤولية عن الفعل الضار

لكل صاحب عمل أو فرد، هناك خطوات استباقية لتقليل مخاطر التعويض:

  1. صياغة عقود رصينة: تأكد أن عقودك تتضمن بنود “إعفاء من المسؤولية” في حالات القوة القاهرة.

  2. التأمين: الاستثمار في التأمين ضد الغير يخفف العبء المالي الناتج عن المادة 120.

  3. التوثيق: في حال وقوع حادث، وثق كل التفاصيل فوراً لتحديد العلاقة السببية بدقة.

يمكنك دائماً مراجعة مقالاتنا القانونية السابقة حول إساءة الأمانة لفهم كيف تتحول المسؤولية المدنية أحياناً إلى مسؤولية جزائية.

 

أسئلة شائعة حول المسؤولية عن الفعل الضار (المادة 120)

1. ما هو نص المادة 120 من نظام المعاملات المدنية السعودي؟

تنص المادة على أن: “كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض”. وهي القاعدة العامة التي تؤسس لحق أي شخص تضرر من فعل غيره في المطالبة بجبر هذا الضرر.

نعم، وبشكل صريح. أقر النظام الجديد في المادة (138) الحق في التعويض عن الضرر الأدبي، وهو ما يمس الشخص في حريته، أو عرضه، أو شرفه، أو سمعته، أو مركزه الاجتماعي.

يجب توفر ثلاثة أركان مجتمعة:

  • الخطأ: إثبات أن الطرف الآخر ارتكب فعلاً مخالفاً أو إهمالاً.

  • الضرر: وقوع أذى حقيقي (مادي أو معنوي) للمتضرر.

  • العلاقة السببية: إثبات أن هذا الضرر تحديداً نتج عن ذلك الخطأ وليس لسبب آخر.

نعم، التعويض في النظام السعودي يشمل ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب (الكسب الفائت)، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار وأن يكون محقق الوقوع.

تسقط المسؤولية إذا أثبت الشخص أن الضرر نشأ عن سبب لا يد له فيه، مثل:

  • القوة القاهرة (كوارث طبيعية).

  • خطأ الغير.

  • أو إذا كان الضرر ناتجاً عن خطأ المتضرر نفسه بشكل كامل.

يقدر القاضي التعويض بمقدار ما يجبر الضرر تماماً ويعيد الحال إلى ما كانت عليه قدر الإمكان، ويراعي في ذلك جسامة الخطأ وظروف المتضرر الشخصية وقت وقوع الفعل الضار.

نعم؛ المسؤولية العقدية تنشأ عند الإخلال ببنود “عقد” موقع بين طرفين، أما المسؤولية عن الفعل الضار (المادة 120) فهي تنشأ تجاه أي شخص تضرر من خطئك حتى لو لم يكن بينكما أي عقد مسبق.

الخاتمة

إن المادة 120 من نظام المعاملات المدنية السعودي هي صمام الأمان الذي يضمن عدم ضياع الحقوق. وفهمك كتاجر أو مستهلك لهذه المادة يجعلك أكثر وعياً بحقوقك وكيفية المطالبة بها أمام القضاء المتخصص.

Exit mobile version