مقدمة: فلسفة التعويض في الأنظمة الحديثة
تعد المسؤولية والتعويض في النظام المدني السعودي حجر الزاوية في استقرار المعاملات الحقوقية، وبعيداً عن المسائل الجزائية، نركز هنا على الحقوق المدنية التي كفلها نظام المعاملات المدنية السعودي الجديد. إن فلسفة هذا النظام تقوم على مبدأ ‘جبر الضرر’ لضمان التوازن بين حقوق المتضرر ومسؤولية المخطئ، وبصفتي مستشاراً قانونياً، أرى أن المواد (126) و(127) قد أرست قواعد واضحة لموجبات التعويض المدني بما يضمن العدالة الناجزة بعيداً عن شق التجريم العقابي.
أولاً: المسؤولية التقصيرية للموظف العام (تحليل المادة 126)
تنص المادة (126) على استثناء جوهري في مسؤولية الموظف العام. هذا الاستثناء ليس “حصانة مطلقة”، بل هو “حماية مشروطة” تهدف لضمان سير المرفق العام دون خوف الموظف من الملاحقة الشخصية عن أخطاء مهنية مبررة.
1. شروط إعفاء الموظف العام من المسؤولية:
لكي لا يكون الموظف مسؤولاً بماله الخاص عن الضرر، يجب توفر أربعة شروط تراكمية:
-
تنفيذ النص النظامي أو الأمر الرئاسي: أن يكون الفعل ناتجاً عن طاعة قانون أو أمر من رئيسه المباشر الذي تجب طاعته نظاماً.
-
الاعتقاد بالمشروعية: يجب أن يثبت الموظف أن لديه “مبررات مقبولة” جعلته يظن أن فعله لا يخالف الأنظمة.
-
إثبات الأسباب المعقولة: لا يكفي الادعاء بالجهل، بل يجب تقديم أدلة منطقية تعزز اعتقاده بمشروعية العمل.
-
بذل العناية (الحيطة والحذر): وهذا هو الشرط الأهم؛ فإذا ثبت أن الموظف نفذ الأمر برعونة أو إهمال أدى لضرر كان يمكن تفاديه، فإنه يسقط عنه الإعفاء ويصبح مسؤولاً عن التعويض.
2. متى يسأل الموظف بصفته الشخصية؟
يسأل الموظف إذا انحرف عن واجبات الوظيفة، أو إذا كان الأمر الصادر إليه مخالفاً للنظام بشكل صارخ لا يقبل التأويل، أو إذا انتفت عنه صفة “الحيطة والحذر” المطلوبة من الرجل المعتاد في مثل ظروفه.
ثانياً: تضامن المسؤولين عن الفعل الضار (تحليل المادة 127)
في كثير من القضايا، لا يقع الفعل الضار من شخص واحد، بل يشترك فيه عدة أشخاص. هنا جاءت المادة (127) لترسي مبدأ “التضامن”، وهو أقوى ضمانة للمتضرر.
1. مفهوم التضامن في الالتزام:
التضامن يعني أن المتضرر له الحق في مطالبة أي واحد من المسؤولين بكامل مبلغ التعويض. فلا يحق لأحدهم أن يقول “طالبني بنصيبي فقط”، بل يدفع التعويض كاملاً للمتضرر، ثم يعود هو على شركائه في الخطأ ليأخذ منهم أنصبتهم.
2. سلطة المحكمة في تحديد الأنصبة:
أعطى النظام للمحكمة صلاحية “تفتيت” المسؤولية بناءً على:
-
جسامة الخطأ: الشخص الذي كان خطؤه هو السبب الرئيسي يتحمل النصيب الأكبر.
-
التساوي عند التعذر: إذا استحال على المحكمة تحديد من المخطئ الأكبر (كما في بعض الحوادث المرورية المعقدة)، فإن القاعدة النظامية هي “التساوي في المسؤولية” بين الجميع.
ثالثاً: أركان دعوى التعويض في القضاء السعودي
لكي ينجح المستشار القانوني في كسب قضية تعويض، يجب أن يبني دفاعه على ثلاثة أعمدة رئيسية:
-
ركن الخطأ: وهو الإخلال بالتزام قانوني أو انحراف في السلوك. في قضايا الموظف العام، نبحث عن “التجاوز”، وفي قضايا التعدد نبحث عن “المساهمة”.
-
ركن الضرر: يجب أن يكون الضرر محققاً (وقع فعلاً) أو مستقبلياً مؤكد الوقوع. النظام السعودي الجديد يتوسع في تشريح الأضرار المادية والمعنوية.
-
العلاقة السببية: يجب إثبات أن “هذا الخطأ” هو الذي أدى مباشرة لـ “هذا الضرر”. فإذا تداخلت عوامل خارجية، قد تنتفي المسؤولية أو تقل نسبة التعويض.
رابعاً: تطبيقات عملية ورؤية قانونية (بقلم يوسف الخضوري)
من واقع الخبرة في المحاكم، نجد أن إثبات “الحيطة والحذر” للموظف العام يتطلب صياغة قانونية دقيقة للمذكرات. كما أن قضايا التضامن تتطلب ذكاءً في اختيار “الخصم المليء مديناً” (الأكثر قدرة على الدفع) لضمان تحصيل المبالغ المحكوم بها بسرعة.
إننا في مكتبنا نولي اهتماماً خاصاً بـ:
-
تحليل التقارير الفنية (المرورية، الهندسية، الطبية) لتحديد نسب المسؤولية بدقة.
-
تقديم الدفوع القانونية المستمدة من روح نظام المعاملات المدنية لحماية الموكلين من التعويضات المبالغ فيها.
-
صياغة لوائح الاعتراض التي تفند العلاقة السببية بين الفعل والضرر.
“للمزيد من الفائدة القانونية وتعميق معرفتكم بالأنظمة الجديدة، ندعوكم لقراءة مقالاتنا ذات الصلة عبر الدخول على الروابط التالية:”
“أركان المسؤولية التقصيرية والتعويض في النظام المدني السعودي”
المسؤولية عن فعل الغير في نظام المعاملات المدنية السعودي: دراسة تحليلية شاملة
المسؤولية الشخصية وأحكام التعويض في النظام السعودي الجديد
المسؤولية عن الفعل الشخصي في نظام المعاملات المدنية السعودي: دراسة تحليلية
“للاطلاع على كافة الأحكام والمواد النظامية المتعلقة بهذا الموضوع، ندعوكم لزيارة قسم [التعويضات في نظام المعاملات المدنية السعودي]”.
خاتمة: نحو عدالة ناجزة
إن المواد (126) و(127) ليست مجرد نصوص جامدة، بل هي أدوات لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الاقتصاد. فالموظف الواثق في حماية النظام له سيبدع في عمله، والمتضرر الواثق في تضامن المسؤولين سيطمئن على حقوقه.
بقلم المستشار القانوني: يوسف الخضوري
متخصص في الأنظمة السعودية والعمانية ومنازعات التعويض.